attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > الطريق الثقافي > من ضربة المِنَشّة إلى ضربة الحذاء، غبن عربي مستمرّ

من ضربة المِنَشّة إلى ضربة الحذاء، غبن عربي مستمرّ

الأربعاء 31 كانون الأول (ديسمبر) 2008

يقال وأن التاريخ لا يعيد نفسه ولكن تفنّد الأحداث الأخيرة هذه المقولة إذ يعقد العرب مجدّدا مع حوادث الضرب "الدبلوماسي" التي تِؤكد أن تاريخهم معاودة أبديّة وحلقة مفرغة يدورون فيها كالأرواح التائهة. ضرب الداي التركي- الجزائري قنصل فرنسا دو?ال يوم 30 أفريل سنة 1827، وكلّف ذلك الجزائريّين 130 سنة من الاحتلال ومئات الآلاف من الضحايا والمشرّدين، وها أن صحفيا عراقيا يحاول في الآونة الأخيرة ضرب الرئيس الأمريكي جورج بوش بحذائه.

وبمعزل عن بعدها السياسي وعن تنزّلها الطائفي الملفت للانتباه وعن رمزيتها أو إثارتها التي سعدت بها الفضائيات، وبخاصة منها العربيّة، لأنها تخرج الأخبار من رتابة الفضائح المالية المطّردة والأزمة الإقتصاديّة المتناميّة التي عصفت بعائدات البترول، تستوقفنا هذه الحادثة لأن العرب بلغوا من خلالها هُوى المحيطات الغوريّة كما يقول الجغرافيون لأن الأمر لم يعد حكرا على "العامّة" بل شمل "الصفوة". وتكشف لنا مدى انطباعيّة الشارع العربي وردود فعله الطفوليّة وعمق غبن أفراده وخيبتهم من خلال تعبيرهم عن "فرهدتهم" وعن الغُمّة التي أزيلت من قلوبهم وليجعلوا من الصحفي المذكور بطلا قوميا نهضوا يطالبون بإطلاق سراحه وتقديسه. شعوب تعيش على قيم النخوة الوهميّة والرجولة المغلوطة أو بالأحرى الفتوّة. شعوب استبطنت عقمها وعجزها لتجد سُلوتها في استذكار أمجادها الغابرة أو في التهليل "لبطولات" تخرجها ولو لحين من غياهب سجنها المظلم وتنسيها واقعها المقيت. شعوب تخاف اليُتم ولذلك تحتاج دوما إلى خلف فالح لسلف صالح أو إلى "زعيم" ينير لها السبيل ويقيها غوائل الدهر، ترفض أن ترى في اليُتم خلاصا لأنه يخلّصها من "أولي الأمر" ويضعها في مواجهة مصيرها. شعوب تسعى في كلّ مناسبة إلى تصدير مظاهر غبنها للتشهير بخارجانيّة أنظمتها وبالشيطان الأكبر المتسبّب في همومها ومآسيها وتأبى أن ترى في ذاتها عللها ودواءها وأن تؤمن بالفعل الجماعي الخلاّق.

وفي الحاصل، طار الحذاء وتفاداه بوش وأصبح موضوع تندّر ولكن لم يحرّر العراق ولم تقم الدّولة الفلسطينيّة ولم تنجل الغمّة بل اكتست هنا ثوبا لغويا آخر يقصد به الشيء الذي يحجب الرؤيا وهذا ما نخشاه وهو أن تتحوّل هذه "البطولات" إلى حجاب يزيد واقعنا كُمدة ويمهّد لحجاب آخر قد يجعل من نهارنا ليلا مدلهما أبديا.

بئسا لشعوب تبحث لنفسها عن رموز وحماة حتى قدوم المهدي المنتظر ولمؤرخين روّجوا لتاريخ معتصم ومعتضد ومنصور وزعيم خالد وقائد شهيد وتنكروا للقرامطة والزنج وانتفاضة 1864 العارمة... وتبّا لجدّاتنا اللواتي ربيننا على العنتريّة وعلى بطولات علي ولد السلطان وأبي زيد الهلالي.

كارم داسي

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose