attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > شؤون وطنية > سُنّـــة جــديــدة، أم عمـليـة ظــرفيـــة؟

الوزير الأول في لقاء مع الصحافة الوطنية

سُنّـــة جــديــدة، أم عمـليـة ظــرفيـــة؟

الثلاثاء 30 كانون الأول (ديسمبر) 2008

هشام سكيك

للمرة الثانية في أقل من تسعة أشهر، عقد السيد محمد الغنوشي لقاء مع ممثلي الصحافة الوطنية يوم 20 ديسمبر الماضي، بعد لقاء سابق انعقد في جويلية الفارط.

إن مثل هذا اللقاء إيجابي بالطبع، ومفيد، حيث يوفر فرصة للوزير الأول لتفسير سياسة الحكومة بصفة مباشرة الى الاعلام الوطني ويمكن الصحافة من تدقيق معلوماتها وطرح تساؤلاتها وما يخالج الرأي العام من مشاغل، خصوصا في هذه الظروف التي تبعث على القلق، لكنه، مع ذلك، يطرح، حسب رأينا، عددا من التساؤلات أهمها.

- 1ـ ما الغرض من عقد مثل هذا اللقاء؟ هذا السؤال يتبادر الى الذهن عندما نتذكر أن الوزير الاول قد قدم لقاء شهر جويلية على أنه "ليس بالندوة الصحفية" وأن محتواه "ليس بالضرورة للنشر"، فكانت النتيجة أن ... الأغلبية الساحقة من وسائل الاعلام قد تغافلت كليا عن اللقاء ولم تذكر حتى انعقاده، وهو أمر يبعث على الاستغراب بالنسبة الى نشاط المسؤول الاول في الحكومة. أي أن الأمور سارت وكأن اللقاء أصبح "بالضرورة ليس للنشر". ولم تشذ على هذه القاعدة الا ثلاثة أو أربعة صحف، أخبر بعضها عن وقوع اللقاء وعن موضوعه واعطى بعضها لمحة عن محتواه وانفردت "الطريق الجديد" بالتوقف عنده والتعليق عليه في مقالين متتاليين .انظر الطريق الجديد العددان .... جويلية 2008..
ونفس السؤال يطرح هذه المرة ايضا، حيث صرح الوزير الاول على أن "الاجتماع ليس بالندوة الصحفية"، ففهم كلامه من طرف الحاضرين على وجهين متناقضين، حيث تساءل أحد الصحفيين عن الفائدة من الاجتماع اذا كان "لا يمكن نشره" بينما أبدى صحفي ثان خشيته من النتائج العكسية "للحملة التي ستنطلق في كافة الصحف التي ستنشر في آن واحد محتوى اللقاء"..
لكن الوزير الاول رفع نسبيا اللبس هذه المرة، اذ أكد أنه لم يقل البتة أنه لا يمكن نشر محتوى الندوة، كما أنه لم يقل أنه منطلق حملة اعلامية، بل أن اللقاء يهدف الى مد الصحافة الوطنية بمعطيات وتفسيرات حول الوضع الاقتصادي في العالم وتأثيرات الأزمة على بلادنا، على أن يستغل الصحفيون المعلومات المقدمة كل حسب حاجياته وحسب ما ارتآه صالحا.

- 2. السؤال الثاني يتعلق بمكانة مثل هذا اللقاء في نشاط الوزير الأول وبمحتواه، فقد خصص اجتماع جويلية للظرف الاقتصادي .المتمثل آنذاك اساسا في التهاب اسعار المحروقات والمواد الأولية، بما فيها المواد الغذائية.. كما خصص الاجتماع الثاني للأزمة العالمية وتأثيراتها على اقتصاد بلادنا .في ظرف تدنت فيه أسعار النفط الى أقل من 40 دولارا..
فالسؤال المطروح هو. هل أن مثل هذا الاجتماع سيصبح دوريا ويشمل مواضيع اخرى غير المواضيع الاقتصادية ـ وخصوصا منها ما يهم الاوضاع السياسية .وأقل ما يقال فيها أنها هي الاخرى تتطلب حوارا معمقا. وهو ما نتبناه ونراه مفيدا، أم أنه سيبقى نشاطا ظرفيا يقرره الوزير الأول كلما ارتأى أن الاوضاع ـ أو الأزمات الاقتصادية ـ تستدعي مجهودا حكوميا خاصا لتعبئة الصحافة ومن ورائها الرأي العام الوطني؟
لقد تمحورت كلمة السيد محمد الغنوشي في بداية اللقاء حول الأزمة العالمية، أسبابها ومميزاتها، وتحولها الى أزمة اقتصادية طالت قطاعات اساسية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالجانب المالي وبالقروض، كالقطاع العقاري وصناعة السيارات. بالنسبة الى بلادنا، بين الوزير الأول أن "الأزمة لم يكن لها تأثير على القطاع المالي"، لكن استفحالها وتحولها الى أزمة اقتصادية جعل الاقتصاد التونسي عرضة لتأثيراتها السلبية، وقد بدأت هذه التأثيرات تظهر بصفة محدودة في الاشهر الاخيرة، رغم ذلك فإن سنة 2008 ستنتهي بحصيلة اقتصادية مقبولة، نظرا للنتائج الطيبة التي تحققت في الجزء الأول من السنة، وهو ما سيمكن من الحفاظ على مستوى قار في احداث مواطن شغل .80.000 بارتفاع طفيف يقدر بـ1...

وخصص السيد محمد الغنوشي الجزء الأوفر من تقديمه الى استعراض التدابير والاجراءات التي اتخذتها الحكومة استعدادا لتفاقم الأزمة العالمية و"للحد من تأثيراتها السلبية على اقتصاد بلادنا"، خصوصا أن 40% من النمو الاقتصادي متأت من قطاعين متصلين اتصالا مباشرا ووثيقا بالخارج .قطاع الصادرات وقطاع الاستثمار الخارجي..

وأكد الوزير الأول أن "سياسة الحكومة تتسم بالواقعية والطموح في آن واحد"، وهو ما تجسم في "اقدامها للمرة الاولى في تاريخ البلاد، على مراجعة نسبة النمو التي قدرت في الاول بـ6.3% ثم عدلت الى 6% ليقع اقرارها أخيرا في الميزانية بـ5% تفاعلا مع التطورات الحاصلة وأخذا لمختلف الآراء والمقترحات بعين الاعتبار".

واعتبر أن "هذه النسبة طموحة وليس من السهل تحقيقها في ظروف مثل الظروف العالمية الحالية، وهي في نفس الوقت واقعية تحافظ على التوازنات وتجنب البلاد التداين المفرط الذي قد يحد من استقلالية قرارنا".

وذكر السيد محمد الغنوشي عديد الاجراءات والقرارات المتخذة "وفي مقدمتها تلك التي أعلن عنها رئيس الدولة في 7 نوفمبر الفارط، وهي من أهم القرارات التي اتخذت منذ نوفمبر 1987" والهادفة الى دعم القدرة التنافسية للمؤسسة التونسية ودفع التصدير وجلب الاستثمار الأجنبي ودعم ميزانية الدولة للاسراع بانجاز مشاريع تخص البنية الأساسية .توسيع شبكة الطرقات السيارات ومد طرقات اخرى. وتكوين الشبان الذين طالت مدة البطالة بالنسبة اليهم .وعددهم 16.000. وتحسين ظروف العيش بالنسبة الى 56 حيا شعبيا يقطنه 200.000 مواطن.. الخ.
وشدد الوزير الأول أن "الاجراءات المتخذة التي من شأنها أن تدفع النشاط الاقتصادي واحداث الشغل وتهيأ للمستقبل قد امكن اتخاذها بفضل ما وفره انخفاض سعر البترول من امكانيات هامة للدولة" .وكذلك بقضل قرض بـ100 مليون دينار..
وتساءل السيد محمد الغنوشي في الختام عن "حظوظ نجاح منوال التنمية" هذا، فأجاب بأن "ذلك مرتبط بتطورات الأزمة العالمية ولا حل لدينا الا متابعة التغييرات المتسارعة والتفاعل معها مع الحفاظ على جملة من الثوابت حولها وفاق" وهي.
- أن النمو مرتبط بالنجاعة الاقتصادية
- التلازم بين البعد الاقتصادي والبعد الاجتماعي
- الحفاظ على استقلال القرار الوطني وعدم ارتهان مستقبل أبنائنا بتداين مجحف
- الاعتناء بالتنمية الجهوية
- التعاون مع الخارج دون مركبات وببرغماتية مبنية على مصلحة البلاد وأساسها المصلحة المشتركة للطرفين.
وختم الوزير الأول كلمته بضروة عدم السقوط في الشعور بالاحباط ومواجهة الصعوبات المرتقبة للتقليص من تأثيراتها حتى لا تعطل ديناميكية الاقتصاد، مشيرا الى أن هناك ملفات هامة مطروحة سيتم معالجتها كالتعليم وملاءمة التكوين وتحسين محيط الاعمال .خصوصا بالقضاء على العراقيل الادارية التي تحدّ من تنافسية المؤسسات. مؤكدا أن "الحكومة تستمع الى جميع الافكار، على اختلافها"، طالبا الجميع أن يقبل بالتضحيات الضرورية في اطار التضامن الوطني".
. . .
وقد خصص الجزء الثاني من اللقاء الى أسئلة الصحفيين وكانت عديدة حيث اعطيت الكلمة لكل من طلبها وقد تطرقت أسئلة الزملاء الصحفيين بالاساس على عدة مواضيع منها بالخصوص.
- تأثير الأزمة العالمية على الاقتصاد الوطني وعلى قطاعات أو مشاريع معينة
- عدم تخفيض سعر المحروقات في السوق الوطنية رغم تقهقر الاسعار العالمية
- التجارة الموازية
وقد طرح ممثل "الطريق الجديد" الأسئلة التالية.

- 1ـ "لقد اعتمدت الحكومة بالاساس على الاحاطة بالمؤسسة والاستثمار لدفع الحركية الاقتصادية وهو أمر مفيد حتى تتمكن المؤسسات من الصمود وعدم الالتجاء الى تسريح اليد العاملة أو حتى الاغلاق، لكن أليس من المفيد أن تلتجئ الحكومة الى عنصر آخر هام من عناصر دفع الاقتصاد ـ خصوصا امام اخطار الركود والتقهقر ـ وهو الرفع من القدرة الشرائية للمواطن حتى يتسنى له اقتناء حاجياته مما يساهم في دفع الانتاج وذلك أساسا بالاقدام على زيادات هامة في الأجور لا تكتفي بتغطية غلاء الاسعار.

- 2ـ فيما يخص اسعار المحروقات قررت الحكومة استغلال الامكانيات الجديدة التي أتاحها انخفاض الاسعار للاستثمار في مشاريع كبرى ودعم المؤسسة.. الخ،
لكن أليس من المفيد أيضا في نفس الاتجاه .أي دعم القدرة الشرائية للمواطن. القيام بتعديلات في اسعار المحروقات التي تستعملها بالخصوص الفئات الشعبية .كقوارير الغاز والبترول الأزرق. أو وسائل النقل كالمازوط حتى يبقى لدى المواطن ضعيف الحال بعض المال ليصرفه في اقتناء حاجيات اخرى تساهم في دفع الانتاج؟

- 3ـ بعض الاخصائيين يرون أن من الآليات الناجعة لدفع الاستهلاك والانتاج التخفيض في نسبة الفائض لدى البنوك حتى يتيسر اللجوء الى الاقتراض بالنسبة الى المؤسسة وايضا بالنسبة الى المواطن عندما يقتني بيتا آو سيارة.. الخ. وهو اجراء لجأت اليه جل البلدان المتقدمة التي قاربت فيها النسبة أحيانا 0. فهل تفكر الدولة في مثل هذا الاجراء؟

لقد أكد السيد الوزير الأول على أن موضوع هذا اللقاء هو حصر الأزمة الاقتصادية. واني استسمحه في التطرق الى موضوع فيه جانب اقتصادي وجانب اجتماعي وجانب سياسي وحتى جانب انساني وهو موضوع الحوض المنجمي.

الكل هنا على علم تام بالمعطيات، فلن أعود اليها. سؤالي اليوم هو. هل يمكن أن تبقى الأمور على ما هي، في حلقة مفرغة، بل مفزعة، يقبع في السجن العشرات من الشبان والكهول، اثر احكام في منتهى القساوة بالنسبة لجلهم، وعلى أساس تهم أغلبها وهمية؟ هل يمكن أن تحتمل بلادنا العيش في مثل هذه الأزمة الخانقة ومدينة كاملة في حالة "استنفار" مستمر، بين الاحتجاج والقمع ورد الفعل... الخ، نظرا لوجود أبنائها في السجون .ومن العائلات من اختفى منها الرجال حيث زج بالسجن الابن بعد الأب.؟ هل من اجراءات تتخذها الحكومة لتهدئة الاوضاع في اقرب الاوقات خصوصا أننا نعلم أن الاجراءات المتخذة ـ وبالخصوص منها تلك التي اعلنها رئيس الدولة ـ لن تأتي أكلها الا بعد مدة طويلة ولا يمكن أن نطالب أهالي الحوض المنجمي والشبان منهم بالخصوص بانتظارها بكل صبر وهدوء؟

وقد قدم الوزير الأول أجوبة مفصلة احيانا عن أسئلة الصحفيين .ولم يجب على بعض الأسئلة.، مؤكدا أنه يثمن ما تقوم به الصحافة من تسليط الضوء على المشاكل وتعريف بما يعيشه المواطن من صعوبات وما تعترضه من عراقيل، وقد بين بالخصوص.
- بالنسبة الى تأثير الأزمة. لقد تأثر قطاع مكونات السيارات في الشهرين الاخيرين وقطاع النسيج قابل للتأثر وقطاع السياحة معرض ايضا، لكن حتى أصحاب المهنة لا تتوفر لديهم رؤية واضحة لتطوره.
اما شركة "سما دبي" فقد اعلنت عزمها التعهد بالتزاماتها في تونس
- بالنسبة الى أسعار المحروقات، توجه الحكومة هو استغلال الامكانيات الجديدة لدفع الاقتصاد والتقليص من تأثيرات الأزمة، ونفس الشيء بالنسبة الي أسعار الحبوب، خصوصا اننا لسنا في مأمن من عودة الاسعار الى الارتفاع، لكن الحكومة منتبهة الى جميع الحلول والمقترحات الأخرى.
- اما بالنسبة الى الحوض المنجمي، فقد لخص الوزير الأول موقفه في أن "هناك استغلال سياسي لمشاكل حقيقية .؟.. و"أعمال عنف لا يمكن التسامح إزاءها" مبرزا أن الاجراءات المتخذة للنهوض باقتصاد الجهة دخل بعضها حيز التنفيذ، سواء بالنسبة الى الاستثمارات التي رصدتها الدولة أو الاستثمارات الخاصة التي منحت لها الدولة امتيازات خاصة.

وختم السيد محمد الغنوشي حديثه عن الحوض المنجمي مذكرا بأن "لرئيس الدولة صلاحيات دستورية في العفو عن المحكوم عليهم".

ولعل في هذا التذكير اشارة الى امكانية ان يكون لها تأثير ايجابي ان تحققت لا فقط على العائلات المعنية ولا فقط على الوضع بالحوض المنجمي، بل على الوضع النفسي العام بالبلاد، وهذه الامكانية ـ التي نتبناها ونتمنى أن يستجيب لها رئيس الدولة ـ هي عفو شامل وعلى جميع من لم يثبت قطعيا قيامه بأعمال عنف ومراعاة الظروف الاستثنائية التي عاشتها الجهة وطي صفحة التوتر والاحتجاج والقمع وفتح صفحة جديدة من التفهم والحوار البنّاء.

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose