attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > مـنبـر اﻵراء > في انــتظـــار أن ينصـــرنا بطيـــر أبـــابـيـل

مــدارسـنـا في متـاهـات الغــبـن والغــبــاء المبــرمـج:

في انــتظـــار أن ينصـــرنا بطيـــر أبـــابـيـل

الأحد 21 كانون الأول (ديسمبر) 2008

فتحــي بـلحـاج يـحيـى

لعلّ الضّربة الأخطر التي تعرضّت لها فكرة الديموقراطية والحداثة، والتي لخبطت جميع الأوراق، هي التي جاءت من الولايات المتحدة حيث لا يزال جنودها وقسم من الرّأي العام يعيشون على مشهد الدّبابات الأمريكية تخترق شوارع باريس ونابولي حاملة معها الحريّة لشعوب أوروبا ومعلنة نهاية الهول النّازي.

أحد الجنود الأمريكيين قال ذات مرّة إثر دخول بغداد : لم أكن أتصوّر الأمور على هذه الشّاكلة، كنت متهيّئا لأن نُستقبل من قبل الحشود وأن ترمينا البنات بالورود تماما كما في فلم "هل ستحترق باريس ؟".

باريس لم تُحترق وقتها، ولكن العراق ظلّ من يومها يحترق لا فقط بفعل القصف وبلاهة "قوات التحالف" في الاعتقاد بأنّ أفلام الحرب العالمية الثانية يمكنها أن تكون موضوع "ريمايك" (إعادة تصوير بوجوه جديدة في زمن آخر)، بل بفعل الفتيل النّائم في القاع العراقي على هيئة قبائل وأفخاذ وأحقاد وشيع ومشائخ يعود صداها إلى ما قبل الحرب العالمية الثانية ببضع قرون، يوم استضاف قسّ بن ساعدة في سقيفته أهل الحلّ وما تبعها من فتن في ديار الإسلام.

لا أحد سيبكي نهاية الطّاغية العراقي، ولا أحد سيفرح بعهد جديد لم يبدأ بعد. دروس العرب تكاد تكون جميعها واحدة : ليست العبرة بأن يذهب هذا الطّاغية أو ذاك بل العبرة في نهاية فكرة الطّغيان كأسلوب حكم، وكعقليّة سائدة، وكطلب مجتمعي بشكل من الأشكال. مشكلتنا هي مع الحاجة الكامنة فينا إلى الزعامة وليست مع الزّعيم، حتّى كادت هزّات تاريخنا الحديث لا تتلخّص في حركة شعوبنا في توقها إلى الحريّة (التي لا زلنا لا نفهم جميع معانيها بداية من معناها الوجودي في كونها قبولا للحيرة) بقدر ما تتلخّص في ثوراتنا على الزّعيم الذي يخيّب في كلّ مرّة الآمال في أن يكون، بحقّ الزّعيم المنتظر وصوت اليقين.

"أولاد حارتنا" لنجيب محفوظ لا يدرّس في برامجنا التعليمية، وأشياء أخرى كثيرة لا تدرّس حرصا على هويتنا من الاندثار، وخوفا على ثوابتنا من التحرّك خشية سقوط السّماء على رؤوسنا، ونحن مازلنا نخال السّماء سقفا من سبعة طوابق، رغم أنّنا نشاهد على المباشر، سفن الفضاء تخترقها، غازا لا صلب فيه، لترسي على سطح القمر، وربّما غدا على سطح كوكب آخر أبعد ببضع سنوات ضوئية.

أغرب ما سيسجّله مطلع القرن الواحد والعشرين هو هذا التبلّد المهول في أذهان فئات واسعة من العرب والمسلمين من حيث الخلط بين الوجه العدواني للغرب وحساباته الاقتصادية-الاستراتيجية حول منابع البترول ومساندة الكيان الإسرائيلي، وبين كلّ ما هو آت من هذا الغرب في مجالات المعرفة من علوم وإنتاج فكري وفلسفي وأدبي وغيره.

فحقوق الإنسان، والحريات الفرديّة، وتحرير المرأة، وإعلاء شأن الفرد كقيمة مطلقة، والانفتاح على مناهج المعرفة كعلم النّفس التحليلي الذي يستهدف نبش مناطق اللامفكّر فيه والمسكوت عنه في مجتمعاتنا، أصبحت جميعها، وفي كثير من الأحوال، محطّ شبهات وريبة إذ صار ينظر إليها كنوع من حصان طروادة يريد الغرب من خلاله اقتحام كياناتنا، وتفكيك ثوابتنا.

عدد التقارير المفزعة، عن أحوال مناهجنا التربوية ومحتويات برامجنا، لا يحصى. وأكثر منها عن نسب الأميّة بين الكهول والأطفال والإناث بشكل خاصّ. ولكنّ التّقارير عن جهالة القائمين عليها تكاد تنعدم. وأوّل خطى الألف ميل على طريق الجهالة تبدأ عند مرورك في أغلب البلاد العربية أمام يافطة كتب عليها بالحرف الغليظ : "ثانوية البنات" وأخرى خُطَّ عليها "مدرسة البنين"، وتتلوها بقية الخطوات في إرفاق دروس الطبيعية والفيزياء والجغرافيا وما تبعها بما يفيد حكمة اللّه في خلقه وتدبيره لشؤون الكون وأسبقية القرآن فيما اكتشفه علماء الغرب،
متأخّرين، من ذرّة ونيترونات، وجينيّات، وسرعة الصّوت، وموجات أثير، ومعادلات رياضية معقّدة .

هذا الغبن اليوميّ في صناعة الأجيال القادمة، وهذا الهاجس الباتولوجي في عدم التمكّن من إعطاء الدّين مكانته داخل الوجدان والدّفع به في جميع الثّغرات لملء فراغاتنا المعرفية والعاطفية والجنسية والوجودية، يأخذ بعدا كاريكتوريا مأسويا في البقاع التي تستأثر فيها الحركات الدّينية الإيديولوجية بالسّلطة سواء كانت حكومات تحكم باسم الشريعة الإسلامية أو حركات "ثورية" تقاوم باسم الشريعة الإسلامية، سنية كانت أم شيعية.

فمن غزّة يحكي سامي أبو زينة على موقع "فلسطين الانتفاضة" عن تدهور العملية التعليمية بعد إضراب المعلمين "واستبدالهم بمدرسيين جدد بدل المضربين، لكن جميع المدرسين الذين تم تعيينهم تنقصهم الخبرة وأحيانا كثيرة المعرفة بالمادة التي يدرسونها وبأساليب التدريس وبكيفية التعامل مع الطلاب والطالبات من ذكور وإناث وأطفال ومراهقين. بعض المدرسين المعيَّنين هم طلابَ جامعات وآخرون أنهوا تعليمهم سنة 95 أو 96 ولم يسبق لهم أن عملوا في مجال التدريس. كثير من المدرسين الذين تم تعينهم كانوا قد رُشِّحوا من قبل المسجد الواقع في منطقة سكناهم ليكون لهم حق الأولوية لأنهم أبناء حماس بالضبط كما كان متعارف عليه في السابق بأن يتمّ التّرشيح لبعض الوظائف عن طريق مرجعية فتح (...) ويتحدث الناس في غزة أن كثيرا من حصص العلوم والرياضيات قد تحولت إلى حصص تربية دينية يتحدث فيها المدرس أو المدرسة عن عذاب القبر وجهنم و الحور العين للأطفال. حدثتني سيدة بان ابنتها الطالبة في الصف الرابع الابتدائي قالت لها بأن المعلمة المنقبة قد حولت درس العلوم إلى درس عن الوضوء الصحيح للصلاة. وهناك كثير من المواضيع المدرسون الجدد غير ملمين بها. فإما أن يبدلوا الدّرس أو أن يطلبوا من الطلاب أن يقرؤوا ما في الكتاب بصوت مرتفع أو يقرؤوا آية قرآنية أو يأخذوا درسا عن نشأة حماس و تطورها و قياداتها الخ."

ومن العراق نقدّم هذه الترجمة لمقتطفات من مقال للصحفي العراقي غيث عبد الأحد. ورد بصحيفة "الغادريان" اللندنية (نشرته أسبوعية "المراسلة العالمية (كوريي أنترناسيونال) العدد-908 ? 27 مارس /02 أفريل 2008 ، ولعلّ في هذه المعاينة الميدانية الملموسة ما يغني عن كلّ تعليق.

مدارسنا، إلى أين ؟

كان عَلِيٌّ يُلقي الدّرس على تلاميذه في القسم الثالث، وهو متّكئ على مكتب اهترأ خشبه، وفي يده كتاب الإنجليزية. كَتب على السبّورة السّوداء فعل "تو بلاي" (لعب). في الجانب الآخر من القاعة تنتصب خزانة مكسورة خُطّت عليها خربشات :" يعيش السيّد مقتدى [الصّدر، زعيم التيار الصّدري الشيعي]، يعيش السيد مقتدى... مقتدى... مقتدى...". شرع الأستاذ في قراءة صفحة من الكتاب بلهجة مفخّمة :" انطلق القائد العربي الكبير خالد بن الوليد لمحاربة أعداء الإسلام"، ثمّ صمت، وبدت على وجوه تلاميذه علامات الاستفهام. "هل تعرفون معنى كلمة إنيمَايْ ENEMY ؟". يرفع تلميذان أيديهما، ويجيب أحدهما بالعربية : "تعني عدوّ"، ويعلو صوت تلميذ من قاع القسم "مثل أمريكا".
بعد نهاية الدّرس جلستُ إلى عليّ في مكتبه فأثار لي أوضاع التربية بعد خمس سنوات من الغزو الأمريكي. كانت خصلة من شعره تتدلّى على جبينه على شاكلة "تانتان" (شخصية القصص المصوّرة)، وعلت وجهه مسحة من الكآبة عندما تطرّق إلى الحديث عن فداحة الأوضاع في مدارس بغداد بسبب تدخّل رجال الدّين والميليشيات. فبعض تلاميذه يَدْرُسون اللّغة الإنجليزية منذ أربع سنوات ولا يفقهون شيئا من أبجديتها. يجيل عليّ نظره في الأساتذة، ثمّ يدنو منّي ويهمس في أذني : "عندنا أستاذ لا يفرّق بين حرفي "النون" و"الزّاي" ثمّ يواصل بصوت مسموع " أجل، حالة التربية في العراق كارثيّة، ولكنّ المصيبة الحقيقية هي يوم يصبح أطفال هذا الجيل كهولا وهم لم يعرفوا سوى الخوف والانقسامات الدينية ومُثُلُهم العليا أبطال جهلة متطرّفون".

عليٌّ لا يرمي باللّوم على الأطفال الذين يتربّصون نهاية الدّرس للخروج إلى الشّارع وبيع الوقود خلسة. بعض هؤلاء التلاميذ يقولون له أنّهم في حالة رسوبهم في امتحان آخر السّنة فإنّ المليشيات ستعرف كيف تتصرّف معه. ويقول عليٌّ "أثناء امتحان البكالوريا، تأتي الميليشيات إلى هنا لتكتب الأجوبة على السبّورة. ولا أحد باستطاعته أن يفعل شيئا."

ثمّ يواصل قوله :" عشنا طيلة خمسة وثلاثين سنة تحت سيطرة صدّام حسين، وعندما تحرّرنا من طاغوته بدأنا نتنفّس نسمات الانعتاق، لكننّا لم نكن ندري أنّ ثمن الحريّة سيكون الاحتلال. بعدها جاء رجال الدّين بعماماتهم ليفتكّوا الحكم باسم الإمام عليّ وليركبوا ظهورنا". فإثر وصول القوّات الأمريكية إلى بغداد، أرادت الميليشيات الشيعية الثّأر لنفسها من النّظام السّابق وتوجّهت إلى المدارس لتهديد مديريها، أو قتلهم أحيانا. كان يُنظر إليهم كأعضاء في حزب البعث أو نصيرين لصدّام حسين. هكذا سيصبح عليٌّ مديرا للمدرسة بعد أن هرب خَلَفُه البعثي من المنطقة خوفا على حياته. فعناصر الميليشيات هي التي عيّنته مديرا، وهي التي تقرّر كيفيّة تسيير المدرسة.

بعد الحرب، ارتفعت الأجور، وتصاعدت معها الأسعار أيضا. يقول علِي : "قبل سنة 2003 كان راتبي في حدود الثلاثة دولارات، فالمعلّم كان يستجدي سيجارة من تلامذته، والآن صار مرتّبي ثلاثمائة دولار لكنّ ثمن قارورة الغاز أصبح عشرة دولارات بعد أن كان خمسين سنتا، وأنا لا زلت أحلم باليوم الذي سأتمكّن فيه من شراء ثياب لائقة لأبنائي، وأحلم بأن أحيا حياة كريمة". وعليٌّ رجل تقيّ، فلحيته، وقميصه بدون ربطة العنق، وكتاب أقوال الإمام علي، وكلّ شيء فيه يدلّ على أنّه شيعيّ ورِع، ولكنّ وَرَعَه على قدر غضبه تجاه الأحزاب الدّينية، فالبلاد غارقة في الجهل، كما يردّد باستياء، والعباد يتّبعون كالخرفان أوامر رجال الدّين.

ها إنّنا نعود إلى قاعة الدّرس من جديد والتلاميذ يبدون متعبين وقلقين، فهم يرتعدون كلّما دوّى انفجار.

سنة 2003 كان يوجد بالفصل خمسة عشر سنيّا واليوم جميع التلاميذ من الشيعة، وفي السنوات الأخيرة التحق بالمدرسة خمسة وثلاثون تلميذا جديدا شيعيّا اضطرّت عائلاتهم إلى مغادرة المناطق السنيّة. المعلّم علي يسأل تلاميذه : " لماذا لم تنجزوا فروضكم المدرسية ؟"، ويجيب أحدهم :"سيدي، الكهرباء تنقطع باستمرار، ونحن نفقد الرّغبة في التعلّم"، ثمّ يتقدّم زميل آخر له بعذر ثان :"سيدي، كنّا في زيارة إلى كربلاء". فلبضع أيّام خلت توجّه آلاف الشيعة إلى زيارة المدينة لمقدّسة للاحتفال بذكرى الأربعين تخليدا لمقتل الإمام الحسين.

يسألهم علي من جديد :" أيهما الأهمّ : زيارة كربلاء أم إنجاز الفروض ؟" فيردّ التلاميذ :"زيارة كربلاء" ويهتزّ عليّ غاضبا :" لا، لا، أبدا ، الإمام الحسين لا يريدكم أن تتسوّطوا [التسوّط عند الشيعة هو جلد الذّات بالسياط،]، إنّه يريد منكم أن تدرسوا. لقد قال "جئت لأصلح أمّتي" فكيف للإمام أن يصلح أمّة هي عصابة أمييّن ؟"

يخيّم الصّمت على الفصل، وينادي عليّ أحد التلاميذ "هشام !" فينتصب التلميذ واقفا. "هشام، لماذا لا تعرف الحروف الإنجليزية ؟"، ويظلّ هشام صامتا. فيما بعد، سيحدّثني المعلّم عليّ عن الطّفل هشام الذي يشتغل كملتقط للزّبالة، فهو ينقّب في أكوام الفضلات عن قوارير البلاستيك. ويفسّر علي لتلاميذه "إذا لم نتعلّم فالعراق سيبقى على ما هو عليه اليوم. وسيظلّ العراق مغتصبا". ويعارضه أحد التّلاميذ بقوله :"ولكنّ الأمريكان يحتلّوننا".

عدنا ثانية إلى مكتب عليّ، فأغلق الباب وجلس قرب النّافذة وهو يقول:"كيف أستطيع أن أهتمّ بمدرستي ورئيس مديرية التعليم رجل دين يتعيّن علي مناداته بـ"سماحتكم" ؟ كيف يمكنني ذلك عندما يقولون لي أنّ هذا الدّرس أو ذاك ممنوع بحكم الشريعة ؟."

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose