attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > مـنبـر اﻵراء > الإعلان العالمي لحقوق الانسان :النص المؤسس

نبض الكلام

الإعلان العالمي لحقوق الانسان :النص المؤسس

الأربعاء 10 كانون الأول (ديسمبر) 2008

الحبيب الحمدوني

لا يتجاوز الصفحة الواحدة . ثلاثون بندا أو على الأصح ثلاثون مادة كما تسمى فيه لا أكثر ولا أقل . أكثرها نصف سطر أوسطر وقليلة هي المواد التي تمتد على أكثر من سطر .لو قورن بنص عادي لبدا في الظاهر أعجف هزيلا .أما اذا قورن بتلك النصوص المتضخمة لكان محل سخرية و استهزاء لأنه لا يكاد يرى . وما حساب ورقة مفردة طائشة مع حزمة أوراق مجتمعة؟


للإطلاع على النص الرسمـي باللغــة العــربيــة لـهـذا الإعلا ن إنــقــر عـلـى هــذا الـــرابــط

http://ettajdid.org/spip.php?articl...

للإطلاع على النص الرسمـي باللغــة الفرنسية لـهـذا الإعلا ن إنــقــر عـلـى هــذا الـــرابــط

http://ettajdid.org/spip.php?articl...


انه في منتهى القصر لكنه في منتهى الغنى والدسامة والافادة .كلامه قليل غير أنه دال بكلمة، هو نص بليغ أتم البلاغة .ألم تقل العرب :البلاغة هي ما أغنى قليله عن كثيره؟ حتى لكأني بواضعيه تمثلوا هذه القولة وامتثلوا لها فكان نصهم نموذجا ساطعا لها . ولأنه قصير فبالإمكان حفظه عن ظهر قلب . و لا أعتقد أن شخصا صافي الذهن سيلاقي عناء في حفظه تماما كما لا يلاقي عناء في حفظ أنشودة من الأناشيد. إنه نص مكثف، حاو لمختلف مناحي حياة الانسان كفرد والبشر كمجموعة من الحرية الى الكرامة الى العدالة الى الإخاء إلى المساواة إلى السلامة البدنية الى الشرف الى السكن والتنقل واختيار محل الاقامة الى التمتع بالجنسية الى التملك الى المشاركة في الحياة المدنية الى العمل والحماية من البطالة والضمان الاجتماعي .

هو نص لا ككل النصوص .نص متميز له نكهته الخاصة وله تأثيره الخاص .هوالعلامة الفارقة في تاريخ الانسانية بين عصرين متضاربين: عصر هدر الحقوق وعصر التمتع بالحقوق ،عصر اهانة الانسان والحط من انسانيته وعصراحترام الانسان وتقدير انسانيته، عصر المذلة وعصر الكرامة. هذا النص ليس سوى الاعلان العالمي لحقوق الانسان الذي يحتفل العالم هذه الأيام بستينية صدوره. وهو اعلان عن المبادئ الأساسية التي تكمن في صميم حركة حقوق الانسان . هو أول بيان عالمي عما هو مسلم به بين الجميع أي"الكرامة المتأصلة والمساواة لجميع البشر ". لذلك لم ينح منحى التفصيل والتجزئة والتفريع كما تفعل نصوص أخرى انما أثار المحاور الأساسية التي عليها تنهض سائر الحقوق في مختلف أوجهها. وهو بالتالي سيشكل مصدر الهام لمعايير وقوانين ومؤسسات حقوق الإنسان. فعلى قاعدة هذا الاعلان ظهر العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية والثقافية والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية ثم تتالت الاتفاقيات والمعاهدات التي تفصل ما جاء عاما ومبدئيا في الاعلان . وعلى قاعدة هذا الاعلان تأسست لجان عديدة تشتغل على حقوق الانسان في صلب المنظمة الأممية أو المؤسسات الاقلمية الدولية. وهذا الإعلان هو الذي حفر بعض المؤمنين لحقوق الإنسان إلى تأسيس منظمة العفو الدولية التي سيكون لها شأن , وأي شان, في الساحة الدولية من خلال التقارير التي تنشرها سنويا والتي تفضح انتهاكات الدول في مجال حقوق الانسان. و هذا الإعلان هو الذي سيوفر المبرر القيمي والمبدئي لتأسيس منظمات مدنية في سائر أرجاء المعمورة للدفاع عن حقوق الإنسان. وبذلك حاز هذا النص فضل الريادة والتأسيس والتوجيه ولا يضاهيه في هذا لا الاعلان الأمريكي ولا الفرنسي لحقوق الانسان رغم أنهما سبقاه بما يزيد على القرن ونصف القرن ورغم أنهما وفرا الحراك الذي سيسمح له بالظهور .

وهكذا ، فهذا النص الصغير في حجمه كان كبير الفائدة عظيم الأثر. فقد كان أول اعتراف دولي بأن لجميع البشر أن يتمتعوا بحقوق الانسان والحريات الأساسية .فقد أكد ضرورة الالتزام بتحقيق الكرامة والعدل للجميع باعتبارهما من مقومات إنسانية الإنسان وليسا منّا أو هبة من أحد وليسا مجرد ترف أو رغبات منشودة.

من هنا، لم يكن من باب الصدفة أن تضع الأمم المتحدة الاحتفالات بالستينية تحت شعار "لكرامة والعدل للجميع".
وهذا الشعار وان كان يعبر عن جوهر الاعلان فهو يكشف أيضا أن الكرامة والعدل لا يزالان بعيدي المنال وأن الطريق اليهما لايزال شاقا طويلا في عالم متناحر منقسم على نفسه بين مستبدين ومظلومين وأقوياء وضعفاء ومعتدين وضحايا وأغنياء وفقراء وآمنين ومفزوعين سواء بين الدول أوداخل الدولة الواحدة. وهو ما يعني أن المبادئ الواردة فيه لم تصبح بعد حقيقة ملموسة وأنه مجرد ورقة سخية الوعود للأدميين جميعا. وهو ما يعني أيضا أن الحفاظ عليه كنص نابض بالحياة بصورة دائمة يتطلب من جميع المؤمنين بحقوق الانسان مزيد المثابرة والتصميم والارادة كي يتحول النص الى واقع بما يساعد على تحقيق العدل وحفظ كرامة الانسان .

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose