attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > شؤون وطنية > النساء الديمقراطيات في مؤتمرهن

نبض الكلام

النساء الديمقراطيات في مؤتمرهن

الثلاثاء 2 كانون الأول (ديسمبر) 2008

بقلم: الحبيب الحمدوني

هذه الأيام مؤتمر نساء تونس. ولسن ككل النساء. إنهن نخبة نسائنا النيّرات ، المؤمنات بالتقدم والمساواة ، المناضلات في سبيلهما. هن من أطلقن على أنفسهن اسم " النساء الديمقراطيات". وهذا الاسم لم يكن من باب المصادفة أو من باب التبجح والمفاخرة. بل هو اسم فرضته الظروف الحافة بنشأة حركة النساء الديمقراطيات مطلع الثمانينات والتي انتظمت فيما بعد في جمعية. فهو مشحون بدلالتين كبيرتين ويسطع بهما سطوعا لافتا: الاحتجاج والرفض. فالديمقراطية هي مقابل الاستبداد والكبت والتسلط والإقصاء وكل ما يدور في هذا المعجم من مفردات. وأول من أطلق الاسم نخبة النساء اللاتي كن ينشطن في النادي الثقافي "الطاهر الحداد" حتى لا يندثرن كتوجه ناشئ وواعد ومجتمعنا في أمس الحاجة إليه إثر مغادرتهن له.

ونحن نعلم ، أن الديمقراطية التي أتى بها محمد مزالي ساعتئذ تهاوت مع أول انتخابات ثم تحولت إلى قمع وهيمنة شديدين خاصة مع أحداث الخبز ثم انتهت إلى تصفية النقابة عبر شرفائه. فكان اختيار التسمية والجهر بها إيذانا بالتمسك بالديمقراطية الفعلية واحتجاجا على الديمقراطية الديماغوجية الاستهلاكية و إعلانا عن وجود مجموعة من النساء مستعدات للمكافحة في سبيل تحقيقها جنبا إلى جنب مع كل أبناء الوطن المستعدين لذلك وباعتباره شرطا لامندوحة عنه لتحرر المرأة. أما الرفض فهو موجه إلى المجتمع الأبوي ، مجتمعنا العربي الإسلامي ، الذي يبخس المرأة حقوقها ويبيح للرجل من الامتيازات والحقوق ما يطعن في إنسانيتها وكرامتها ويبقيها في منزلة الهوان والدون.

وبالفعل، فإن جمعية النساء الديمقراطيات التي تحصلت على التأشيرة القانونية سنة 1989 كوريث مدني شرعي لمجلة:نساء" التي أصدرتها مجموعة النساء الديمقراطيات وقبلها لجنة الدراسات حول أوضاع المرأة بالإتحاد العام التونسي للشغل وقبلها نادي الطاهر الحداد وقبله إتحاد النساء التونسيات في الأربعينات التابع للحزب الشيوعي التونسي وقبله إتحاد النساء المسلمات في الثلاثينات ويقف وراءه مثقفون مستقلون، ستسير في دربين متوازيين لكنهما متلازمان تلازم الوجه والقفا ،هما الاحتجاج والرفض. الاحتجاج ضد السلطة وسعيها المتواصل إلى الهيمنة والإقصاء. والرفض، رفض مظاهر الذكورة المجحفة المتوارثة جيلا عن جيل. وسترسخ الجمعية قدمها في هذين الدربين على مر الأيام مع تزايد خبرتها المعرفية وحنكتها الميدانية. وإحقاقا للحق، هناك جمعية أخرى هي بمثابة التوأم لجمعية النساء الديمقراطيات، هي" جمعية النساء التونسيات من اجل البحث حول التنمية" التي تم الاعتراف بها قانونيا في نفس الفترة تقريبا وكونتها نخبة من النساء اللاتي يدرن في نفس الحراك الفكري والسياسي للنساء الديمقراطيات. وتعاضدت الجمعيتان وتبادلتا الخبرات حتى صارت قوة الواحدة منهما قوة للأخرى.

وعودا إلى جمعية النساء الديمقراطيات، فإنها لم تتخاذل في أهدافها رغم الجو العام الذي تعيشه البلاد والمتسم بالانغلاق ورفض الطرح المغاير. واستطاعت الجمعية أن تفرض نفسها كرقم لا يمكن لأحد تجاهله في المشهد المدني والاجتماعي والسياسي عندنا من خلال سعيها إلى الحضور المتواصل في مختلف المناسبات والفعاليات التي تخص شؤوننا الوطنية عامة أو حتى على المستوى الدولي من خلال المشاركة الفاعلة في منتديات المنظمات غير الحكومية التي تلتئم عشية انعقاد المؤتمرات الدولية الخاصة بحقوق النساء وحقوق الإنسان بصفة عامة.

وقد نجحت في لفت انتباه الحكومة إلى ظاهرة العنف المسلط على النساء ، الأمر الذي دفع الدولة إلى بلورة إستراتيجية وطنية لمقاومة العنف المسلط على النساء في مجال الأسرة. وقد ساهمت عبر مقترحاتها في تعديل مجلة الأحوال الشخصية وقانون الجنسية في اتجاه إلغاء واجب الطاعة الذي كانت المرأة واقعة تحت طائلته إلى حدود سنة 1993 والاعتراف ببعض صلاحيات ولايتها على الأطفال وإسناد جنسيتها إليهم . وقد أقامت حملات عديدة من أبرزها الحملة ضد التحرش الجنسي التي انتهت إلى تنقيح المجلة الجنائية من أجل تجريم التحرش الجنسي والحملة من أجل المصادقة على البروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز المسلط على النساء والحملة ضد تحفظات الدولة التونسية على هذه الاتفاقية والتي تحولت شيئا فشيئا إلى حملة عربية من أجل رفع تحفظات كل الدول العربية المصادقة على الاتفاقية والحملة من اجل المساواة في الإرث والحملة من اجل مقاومة الفقر بالاشتراك مع جمعيات أخرى.

الإنجازات، على قلة الإمكانات المادية وعلى صعوبة النشاط في واقع التسلط والاستبعاد والمضايقات وعلى ضعف المجتمع المدني بوجه عام ، جديرة بالتقدير. والجمعية نفسها كانت نتاجا طبيعيا لحركة نضال نساء تونس من أجل تحررهن تلك الحركة التي سبقت الحركة النسائية الرسمية إبان فترة الاستعمار والتي عملت بالتوازي معها منذ السبعينات من عهد الإستقلال. وأن تظل أمينة لروح هذه الحركة وتحافظ على وجودها و تصون استقلاليتها عن الدولة وعن سائر الأحزاب معا وتسمع صوتها وتقترح المبادرات وتخوض الأفعال فهو بالضرورة مجلبة لا للتقدير فقط بل للفخر والاعتزاز أيضا .

وأعتقد أنها تكون محل احترام أكبر وأكبر لو كدّت أكثر في سبيل تقليص الهوة مع القاعدة العريضة لنسائنا واهتدت إلى أن تخرج ، مع وعيي التام بالمشاق في هذا الباب، من قوقعتها النخبوية في سبيل الإشعاع داخل مناطق البلاد وإحياء الفروع الجهوية التي اندثرت لا أن تظل رهينة العاصمة دون سواها. وحبذا لو وازنت بين نشاطها النظري والأكاديمي وعملها الميداني في صفوف النساء حتى تتجذر في النسيج الاجتماعي وتعدد من النوافذ الفاتحة على المجتمع والجسور الرابطة معه مثلما نجحت في مسألة العنف ومركز الإنصات الذي أقامته بشأنه. تبقى نقطة أخيرة وليست آخرة أود الإشارة إليها رغم أنها لا تهم الجمعية وحدها بل عموم واقعنا التونسي في مختلف نواحيه والمحكوم بعقلية الخوف والعزوف عن المشاركة في الشأن العام وهي ضرورة الاجتهاد في عملية التشبيب وفتح باب الانخراط و تحمل المسؤولية وصنع القرار في وجه الشابات لأن الشباب هو دعامة الدوام وركيزة التجديد.

وفي الختام، أقول لكن هنيئا لهنّ بالمؤتمر، وهنيئا لنا، معشر الأصدقاء ورفاق الدرب ، قبلهن وبعدهن ما دمن هن المحور ونحن الحواشي في هذا المضمار

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose