attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > فـــي الجهـات > " هي فوضى " يكتسح المدينة

صفاقس

" هي فوضى " يكتسح المدينة

الأحد 23 تشرين الثاني (نوفمبر) 2008

فتحي الهمّامي

في المدة الفارطة كان لعشاق السينما في إحدى قاعات العرض بمدينة صفاقس موعدا مع فيلم يوسف شاهين الأخير " هي فوضى". وقد تمتّع أحبّاء الفن السّابع بهذا الشريط الجميل الذي تجرّأ صاحبه كعادته على كشف المستور و رفع الحجاب عن أمراض مزمنة تنخر جسد المجتمع العربي منها الفساد و المحسوبية و إستغلال النفوذ و غيرها. نعم إنها بحق فوضى تسود المشهد العام و الحياة اليومية لمسناها من خلال أحداث الفيلم و قد قدمت برؤية فنيّة تمتاز بالإبداع و التألق كما عودنا بذلك فقيد السينما العربيّة .

و مادمنا في مدينة صفاقس , يبدو أن عاصمة الجنوب هي بحاجة أيضا إلى عمل فنّي يصوّر معاناتها اليومية جراء علّة أضحت تدّب في كيانها و تأرّق أهلها إسمها فوضى حركة المرور . فحرّي إذا بمبدع هذه الربوع أن يعمل خاطره و يفكر في فعل إبداعي يكشف من خلاله أوجاع هذه المدينة المتألمة من أثر ذلك الأذى , و ما عليه من ثمّة إلا أن يفجر طاقاته الخلاقة كتعبير عن تعلّقه بالحياة و حرصه على جمالية هذه المدينة و مدنيتها . و على هذا الأساس لا نتصور للحظة أن القائمين على إرث يوسف شاهين يرفضون مبدأ إختيار " هي فوضى " كعنوان لذلك العمل الفنّي الذي يمكن أن يكون على شكل سلسلة أفلام أو مسرحيات أو حتى لوحات تقدم صورة و شكل إضافي للفوضى النكداء التي تتسلط على أغلب نواح حياتنا و تكدّر عيشنا .

و قبل كل شيء ندعوكم إلى المعاينة والرؤية بأم العين من خلال بعض المشاهد عن الواقع اليومي لشوارع صفاقس حتى تتبيّنوا مدى المشقة التي تقاسيها مدينتنا و يعانيها سكانها و مدى ما خلّفته الفوضى من ضجيج و صخب و تلوث :

- المشهد 1 : فوضى بشارع 7 نوفمبر و هو شارع حديث يخترق قلب صفاقس الجديدة و يعتبر من الممرات الإلزامية للدخول إلى مركز المدينة أو الخروج منه ,يضم في أجنابه مؤسسات حيّوية منها مقر الولاية و البنك المركزي و مركز تجاري ضخم و عشرات العيّادات الطبيّة و غيرها . تلاحظ أن الزّحام على أشدّه في كل الأوقات بسبب قلة إتساع هذا الطريق النافذ - من نحاسب يا ترى؟ - و بسبب أيضا التّوقّف الفوضوي للسيّارات على طول الشارع بالرغم من وجود علامات المنع بل أنه تحول إلى مربض قار زاد من ضيقه ... لكن مصالح البلدية لا تحرّك ساكنا !

- المشهد 2 : فوضى بالمفترقات الدائرية صباحا مساء و يوم الأحد إذ يمتلأ هذا الفضاء الضيّق بكل أنواع العربات حتى لا يطيق نفسه و يتغلب عليه الإختناق رغم المجهودات الجبّارة لأعوان شرطة المرور - إذ لا يكفي واحد فقط لكل مفترق - , أما خارج أوقات الذروة وفي غياب عون الأمن فقانون الطرقات السائد " ذراعك يا علاف " و مسكين صاحب السيّارة الشعبيّة أو المتردد أو مستعمل الدرّاجة فمآله الترقب و الإنتظار حتى يأتي الفرج . كما لا تسأل عن حال المترجلين المستضعفين منذ أن ألغيت إشارات المرور فلا ممرات لا أرضية و لا فضائية خاصة بهم في هذه المفترقات و لا شيء يحميهم من إندفاع السيّارات " الضارية " .

- المشهد 3 : فوضى بأمكنة توقف سيّارات " التاكسي " و خاصة منها بالفضاءات المخصّصة لهم في تقاطع نهجي الجزائر و القيروان وأمام المركب التجاري صفاقس 2000 و غيرها وهي نقاط حسّاسة من المدينة تشّهد حركة مرور هامّة . إذ يشتد التّزاحم و التدافع بين سائقي التاكسي و لا تستغرب إذا تخاصم القوم و تعالت أصواتهم من أجل الظفر بحريف .

و النتيجة غياب النّظام و عدم الإلتزام بالفضاء المخصّص للإنتظار و الوقوف الفوضوي مما ينعكس سلبا على حركة السيّر في كل المسالك المحاذية و يعطل مصالح الناس .

- المشهد 4 : فوضى ظهر يوم الجمعة و السبت مساءا و الأحد صباحا أمام فضاءات جعلت للتعبّد - مساجد - أو للمرح و المؤانسة - مقاهي و نوادي- من المفروض أن يسود محيطها الهدوء و السكينة حتى تتحقق الغاية من زيّارة تلك الأماكن . لكن لا ترى إلا و قد ضيّق الخناق و شدّد على تلك الفضاءات بكل أنواع العربات فكل واحد من الرّواد يزاحم غيره من أجل موضع لسيارته و كأنها دابة يجب أن يعقلها أمامه خشية هروبها! والنتيجة إكتظاظ و إختناق ينكّد ذلك الواجب أو تلك الفسحة .

- المشهد 5 : فوضى يوم إجراء مقابلات كرة القدم بملعب الطيب المهيري و خاصة الكبيرة منها إذ تتعطل الحياة و يصيب الشلل الطرقات الرئيسية القريبة منه و تتحول الأنهج الثانوية والتي تبدو كأنها مسالك ريفية بسبب حالتها السيئة إلى ممر إجباري للسيّارات و الدرّاجات.

- المشهد 6 : أمام هذه الفوضى التي تعكر صفّو المدينة و تضايق أنفاسها و تسيء إلى جودة الحياة فيها و أمام هذا الكابوس الذي يشدّ الأعصاب و يرهقها دعا والي الجّهة من يمثّل المواطن و المصالح البلديّة و السلط الجهويّة و الإدارات الجهويّة للوزارات المختصة و الأحزاب المساندة و المعارضة و التي في الحكم و الجمعيات المستقلة و غير المستقلة إلى إجتماعات عاجلة تنظر في ما آلت إليه مدينتهم و من ثمة القيام بالإجراءات العاجلة و الآجلة لإنقاذها من حمى الفوضى التي تنغّص حياتها حتى يعود إليها رونقها و هدوءها.

وبعد الإطلاع على هذه المشاهد الست عليك الإنتباه أختي القارئة أخي القارىء فالمشاهد من واحد إلى خمسة حقيقية أما المشهد السادس فهو محض خيال يرتقي إلى مستوى الأمنية . يحلم بتحقيقها مواطن مسكون بهاجس المشاركة في إدارة مدينته ! .

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose