attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > شؤون وطنية > أمـــا آن الأوان لــطيّ الصفــحة؟

نبض الكلام

أمـــا آن الأوان لــطيّ الصفــحة؟

الأحد 23 تشرين الثاني (نوفمبر) 2008

الحبيب الحمـــدونـــي

لم تُطرح قضيّة التشغيل في بلادنا و لم تشغل الرأي العام بمثل ما طُرحت به و بمثل ما شغلت الناس في هذه السنة الجاريةذ: اعتصامات بمؤسسات رسميّة, مظاهرات في الشوارع, تجمّعات في الساحات العامّة, مصادمات مع رجال الأمن, إيقافات و أحكام بالسجن ضدّ المشاركين في التحرّكات, ندوات في الموضوع هنا و هناك, مقالات و تحاليل في الصحف و المجلاّت, عرائض مساندة للموقوفين, لجان وطنيّة و جهويّة لتنسيق فعاليّات المساندة, و أخيرا هاهي الدولة في أعلى هياكلها تُقيم ندوة وطنيّة حول التشغيل.

الظاهر, أنّ الوعي بخطورة المسالة يتزايد لدى كلّ الدوائر و الأوساط. فلم تعد الهياكل المختصّة بشؤون التشغيل أو الأوساط التي تشكو البطالة وحدها من يُثير هذه المسألة. الكلّ الآن صار يتحدّث بصوت عال و يُدلي بدلوه. حتّى عامّة الناس ممن لا يلتفتون في العادة إلى الشأن العام, كثيرا ما نجدهم في المقاهي و في غيرها من الأماكن يخوضون في الموضوع و يسعون إلى تحليل الظاهرة و يُقدّمون بشأنها المقترحات.

والأهمّ من هذا, في نظري, أنّ الموضوع انفلت من عقاله و تخطّى دائرة المسكوت عنه, الأمر الذي كان يُريح الجهات الرسميّة في السابق. فقد فرضت قضيّة البطالة نفسها على جميع الأطراف, بالقدر الذي تحمله من أهميّة و خطورة, سواء في مستوى الفرد العاطل عن العمل, أو الأسرة أو المجتمع برمّته, و سواء في مستوى الانعكاسات الاجتماعية أو الأمنيّة أو السياسيّة حتّى.
و من البديهيّ أنّ الدولة هي أبرز هذه الأطراف على الإطلاق, و بما لا يُقاس. فهي المعنيّة أوّلا
و أخيرا بالتشغيل و مكافحة البطالة و بما يُفرزانه من نتائج. و هي المسؤولة عن أيّ وضع ساء أو حسُن. و هي القادرة على إطلاق المبادرات و تقديم الحلول.

إنّ الدولة إذن, هذه المرّة, تعترف اعترافا لا غبار عليه بأنّ هنالك معضلة اسمها بالخطّ الكبير الساطع: البطالة, فترمي جزءًا من المسؤوليّة على الأطراف الأخرى. صحيح أنّ القضيّة تهمّ كلّ مكوّنات المجتمع, بتنوّع أطرافه, الاقتصاديّ منها أو السياسيّ أو المدني. و من المفروض أن تُساهم كلّ هذه المكوّنات في بناء التصوّرات و الحلول لهذه المعضلة.

غير أنّ السؤال المحوريّ هنا: هو من اختار نمط التنمية الجاري؟ ومن المسؤول عنه؟ ومَنْ مِنَ المفروض أن يتحمّل تبعاته و ما أفرزه من إجحاف في حقّ جموع من التونسيّين, هم في أغلبهم من قواه الحيّة و المعطاءة أي من الشباب؟ و هل المطلوب هو إنتاج حلول تحت الضغط, لا تُعالج النظام التنمويّ في عمقه , فتظلّ في النهاية بمثابة المسكّنات التي قد يزول مفعولها حتّى قبل أن تسري في البدن؟ فإذا سلّمنا بأنّ هده الندوات و الاستشارات ستساعد على تقديم حلول لمعضلة البطالة, فهل تستوي الحكومة مع سائر الأطراف الأخرى ؟ و بعبارة أخرى" هل يستوي الذين يعلمون و الذين لا يعلمون"؟

إنّ الحكومة تُمسك بيدها مفاتيح كلّ المغاليق و تعلم كلّ شيء, أدقّ الدقائق و جزئيّات التفاصيل حول واقع المؤسسات الاقتصاديّ و وضعها الماليّ و إمكانيّاتها لاستيعاب العاطلين. أمّا الآخرون فلا علم لهم إلاّ بالنزر اليسير حول واقع هذه المؤسسات. فالحكومة تُكيّف الإحصائيّات من منظوراتها

و تضبطها على أساس ما تراه مناسبا من قواعد, و هي عادة ما تحتكر لنفسها حقائق الأشياء. الآخرون, إذا ما اجتهدوا و جمّعوا ما أمكن لهم من معطيات و استخدموا القياس استنادا إلى إحصائيّات عالميّة أو تخصّ دولا شبيهة أوضاعها بأوضاعنا, وقدّموا بعض التقديرات و النسب, انزعج بعض الوزراء و غضبوا أيّما غضب و رأوا فيما يُقدّمه هؤلاء تضخيما عير مبرر و اصطيادا في الماء العكر و حسابات غير بريئة.
نعم. الحكومة تعترف على الملإ, و بأكثر جرأة من السابق بأنّ هناك معضلة شاقّة
و متشعّبة هي البطالة. و هي بالتالي تعترف ضمنيّا بمسؤوليّتها فيها و في ضرورة تشغيل العاطلين.

و إذا اعترفت الحكومة بهذا فلماذا كانت قاسية مع المحتجّين من أبناء الوسط الغربي و الحوض المنجمي على واقعهم المتردّي, واستخدمت معهم سياسة العصا الغليظة و زجّّت بالعشرات و العشرات منهم في السجون؟

ربّما كانت مقتنعة إلى حدّ ما بشرعيّة هذه التحرّكات. و الدليل على ذلك خطابات رئيس الدولة نفسه, لكن يبدو أنّها أعطت الأولويّة لهيبة الدولة التي تراءى لها أنّها أصبحت في الميزان. نحن معها في ضرورة أن يكون للدولة هيبتها , و إلاّ ما كانت دولة أصلا. في المقابل, لسنا معها في حسم الأمور عبر "المعالجات" الأمنيّة. هيبة الدولة, في حالتنا هذه, إنّما تُصان بالحنكة السياسيّة و بالحلول الاقتصاديّة و الاجتماعيّة الفعليّة و الميدانيّة و تُحفظ إذا ما تمّ تخليص هذه الهيبة ممّا يشوبها من شوائب, و يُضعفها من عوامل الوهن و مما يُدنّسها من عناصر الإفساد.

لنتحدّث بصراحة. أيّة هيبة للدولة إذا كانت التنمية قائمة على إخلال فاضح في التوازن الجهويّ و تصبّ خيراتنا تماما كما تفعل مياه أوديتنا من الغرب في الشرق و من الجبال في البحر ؟

و أيّة هيبة للدولة إذا كان قسم من مواطنيها يُعاني العوز و الجوع في الوقت الذي يرى فيه بأمّ عينه الأثرياء, و الجدد منهم على وجه الخصوص, يرفلون في النعيم و يدفعون المال بأرجلهم دفعا؟ و أيّة هيبة للدولة عند شاب كافح طويلا في سبيل الحصول على شهادته العلميّة و لا يجد في الأخير ما يضعه من تصنيف مهنيّ على بطاقة هويّته ليُسجّل له: عاطل, فيكون محلّ شبهة في كلّ التفتيشات الأمنيّة بينما يُلاحظ حواليه بعض أصحاب الجاه و الجهل و المال يعبثون و جانبهم مهاب؟ و لأيّة هيبة للدولة عند شاب يكون في أوج عطائه البدنيّ و العقليّ و تراه يُنتج الصفر إلى أن تحوّل هو نفسه إلى صفر؟ و أيّة هيبة للدولة إذا غابت الشفافيّة في مناظرات التشغيل و أُستخدمت المحسوبيّة
و المحاباة و ساد الفساد حتّى لا يكاد يحصل على شغل قارّ إلاّ ذوو قربى أصحاب النفوذ و من له صلة بهم أو أبناء أصحاب المال؟ فهيبة الدولة ليست شعارا إنّما هي مجموع القيم النبيلة التي تهتدي بها الدولة في سياستها من عدل و حقّ و مساواة والتي تستجلب لها الاحترام ضرورة. و هيبة الدولة ليست شيئا هلاميّا بل هي فعل يوميّ وممارسة متّصلة لهذه القيم الإنسانيّة النبيلة.

هذا أوّلا. أمّا ثانيا فلا أعتقد أنّ من احتجّوا على أوضاعهم المتردّية قصدوا المساس من هيبة الدولة. فتحرّكاتهم سلميّة و لم يخرجوا على مربّع إسماع صوتهم في المطالبة بالحقّ في الشغل و الحقّ في المواطنة الكاملة و الحقّ في العيش الكريم. فلا داعي للحساسيّة المفرطة و الشطط في التقدير و ردّ الفعل العنيف و التمادي فيه. و على الدولة أن يكون صدرها رحبا و أن تتسم بأكبر قدر من الحلم
و التسامح و أن لا تحسب حسابات ظرفيّة عابرة.فقلبها أكبر من الأفراد و المجموعات و الظروف الطارئة.

والآن, و بعد أشهر من انتهاء موجة الاحتجاجات وبعد أن اعترفت الدولة اعترافا لافتا بمعضلة البطالة و بعد أن انخرط أطراف المجتمع السياسي و المدني في التفكير الجدّي في المعضلة و في حلولها, هل من معنى لبقاء المحتجّين وراء القضبان؟ و إذا كنّا نبحث عن حلول و نستشرف المستقبل لبناء غد أزهى لبلدنا فلتكن من بين الخطوات الأولى خطوة طيّ الصفحة و إطلاق سراح الموقوفين و العفو عن المحكوم عليهم و إرجاع من يشتغل منهم إلى سالف عمله. فلا شكّ أنّها ستكون أثمن الخطوات و أسعدها وقعا على النفوس و أقواها دفعا لعجلة هذا الغد الأزهى.

الحبيب الحمدوني

alhabibalhamdouni@yahoo.fr

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose