attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > هــمـسة وغـمـزة > "إذا أردت أن تكون مثقفا، فعض على أصبعك وناضل"

على الطريق

"إذا أردت أن تكون مثقفا، فعض على أصبعك وناضل"

السبت 22 تشرين الثاني (نوفمبر) 2008

سفيان شورابي

يتفق أغلبنا على أهمية العمل الثقافي وجدواه العالية في تمتين لحمة المجتمع وفي رص بنيانه ومنعه من التفكك والانحلال. فالمنتج الثقافي بشتى أصنافه وأشكاله المعروفة ليس سوى تعبير يعكس ملامح متنوعة لذهنية المجتمع ويكشف عن جوهر الأنا الجماعية في لحظتها الراهنة، حيث يلتقي رصيد الأجيال السابقة من الإنتاج الفكري في مختلف أنماط العلوم والآداب مع إبداعات الفكر الإنساني في الزمن المعاصر له.

والثقافة هي أيضا حزام واق وجدار عازل في وجه جميع أشكال "تتفيه الوعي" على حد تعبير المصري مهدي عامل. وبديهي في هذا الاتجاه أن يكون المنتج الثقافي حاملا للواء التقدم والرقي، لا سكونيا عازلا للإنسان عن سياقه التاريخي ولا منغرسا في سراديب سحيقة من التاريخ.

ومع الأسف، لا يمكن الإقرار حاليا في بلدنا بوجود حراك ثقافي متميز، على الأقل من حيث النوع أو من ناحية دينامية تجعلنا نتبوأ فعلا مكانة متميزة بين الأمم.

ويرجع سبب حالة التخلف الثقافي هذه في جزء كبير منه إلى هيمنة طريقة تفكير ما تزال تعتبر أن الإبداع الثقافي هو ملك لمؤسسات الدولة الموجهة ضمن مسار مخطط ومعلوم الاتجاه والأهداف. فلا يمكن تخيل بلد مشع في هذا المجال والسلطة فيه، من خلال قوانينها وهياكلها، هي التي تحتكر لنفسها العمل الثقافي الذي لا يخدم بالضرورة مصلحة الجميع.

ويمثّل المشهد الإعلامي الرسمي بأنواعه الأربع (السمعي والبصري والمكتوب والالكتروني) أحد أبرز الأدلة الدامغة على الدور الذي يلعبه الجهاز الحكومي في تنميط الثقافة وصياغتها في قوالب لا تلقى رواجا لدى جميع الناس. معتمدة في ذلك على نمط أسلوب بائد شبيه بالتجربة الستالينية في توجيه الثقافة فيما يخدم الحزب الواحد وانجازاته.

وفي المقابل، لا يبدو أن للحركات المعارضة التونسية أخذت، من جانبها، الفعل الثقافي مأخذا جادا أو هي راهنت على كسر جبل الجليد القائم بين المثقف والسياسي.

ذلك أن لبسا غير مفهوم يطرح بقوة بين الناشط السياسي المعارض وبين رجل الثقافة غير المتحزب، فالأول ينظر للثقافة من زاوية تبرير خياراته وبرامجه السياسية العاجلة بينما يحتاط الثاني من العمل السياسي المعارض -حتى ولو كان ثمة التقاء في التوجهات العامة- مخافة الضرر ودرءا لعواقب قد تكون وخيمة.

إن أهم دور للمثقف هو أن يرسي معالم مشروع يرنو نحو التغيير ويكون منسجم مع هموم مجتمعه بصرف النظر عمن يقبع على سدة الحكم.

ومن جانب آخر، فمشروعية الخطاب السياسي الذي يسعى لأن يلقى تجاوبا من قبل الجمهور المتلقي يفترض أن يتأسس على بديل ثقافي مستنير ومتأصل ذي خلفية قيمية يدافع عن مبادئ العدالة والمساواة والخير والسلام في مضمونها الحقيقي المادي وليس في شكلها الخارجي الذي لا يتجاوز تلميع الصورة. وما على رجل الثقافة باعتبار المسؤولية الموكولة على عاتقه في النهوض بمجتمعه، اثر ذلك إلا أن يعض على إصبعه ويناضل مثلما يقول الأستاذ أنطوان مقدسي.

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose