attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > فـــي الجهـات > حراك اقتصادي وعمراني في حاجة لتجويد الحياة والثقافة أو منوال تنمية ينشد (...)

طبلبة

حراك اقتصادي وعمراني في حاجة لتجويد الحياة والثقافة أو منوال تنمية ينشد التوازن

السبت 22 تشرين الثاني (نوفمبر) 2008

طبلبة مدينة ساحلية، توجد بالساحل الأوسط على مسافة 30 كلم الى جنوب المنستير مركز الولاية وبين 6 و8 كلم جنوب شرق كل من قصرهلال والمكنين وتنفرد عنهما بامتداد شاطئي وهي تصنف ضمن المدن المتوسطة التي تحضر بقوة في المشهد الحضري للبلاد التونسية. وتعود نواتها التاريخية خاصة الى العصر الوسيط وتدفق الهجرة الاندلسية.

لعدة عقود خلت كونت مدينة طبلبة الى جانب البقالطة التي تبعدها لبعض الكيلومترات الى الجنوب وأنت في طريقك الى المهدية توأما تميز كأحسن مايكون في الزراعات السقوية وخاصة من الخضروات واتقن العاملون في الزراعة فنون الفلاحة الجاهدة مستغلين توفر نسبي لمائدة مائية عذبة وبعض الأراضي على قلة تربها لانسياب شريط من الحمادة (أرض مرتفعة نسبيا وتغيب فيها الحبات الرملية لتترك مكانها للحصى والحجارة ) فأعطت البقالطة اسمها لنوع من الفلفل (الفلفل البقلوطي) وأضاف اهالي طبلبة الى ذلك معرفتهم بركوب البحر والصيد الساحلي مستغلين بعض الكيلومترات من الامتداد الساحلي فكون الوسط الفلاحي لهذا التوأم مشهدا زراعيا على درجة من الانفراد عن مورفولوجيا فلاحية
بالجهة تحضر فيها غالبا وبشكل فيه من التكرار والروتين غابة الزياتين والمزروعات البعلية.

وتدعمت الانشطة السقوية مع مستهل سنوات الثمانين من القرن الماضي بحضور بدأ يتزايد لانتاج الباكورات باستعمال ما يعرف بالبيوت المكيفة وقد ساهم ذلك بشكل كبير في تزايد حجم الفلاحة المسوقة وبروز متنام لرأسمال فلاحي عمل على توسيع نشاطه في ذات المجال بتسويغ مساحات سقوية خارج موطنه مستغلا احداثات الدولة في المجال في عدة نقاط من الارياف المجاورة
ما يعرف بتقنية السنداج Sondage.

وانعكس هذا التوسع في النشاط الفلاحي بدرجة مهمة على المشهد الحضري الخاص من تحسين المساكن وتجديدها وحركة تشييد شكلت انطلاقة مهمة لتوسع عمراني من النوع المنتشر وان أتى على جانب كبير من المساحة السقوية والتي فضل أصحابها المضاربة العقارية والتنقل وراء المساحات السقوية المسوغة بالمناطق المجاورة فانه لايزال متواصلا بشكل لافت للانتباه بالتوازي مع تنوع متزيد للقاعدةالاقتصادية.

ومع منتصف الثمانينات انتصبت نواة صناعية بغرب المدينة على جنبي الطريق الرئيسية الرابطة بمدينة المكنين وما انفكت تتوسع لتتحول الى منطقة صناعية نشيطة ومتنوعة من نسيج وغزل وصناعة خزفية وتعدين وصناعة الأجر وفي بعض الأحيان بطاقة تشغيلية مهمة مع ان المدينة كانت تفتقد حتى الثمانينات لأي نشاط صناعي. وقد مكنها ذلك من تحقيق نقلة نوعية في هذا المجال رغم مزاحمة كبيرة لكل من المكنين وقصرهلال المجاورتين. من جانب اخر شهدت انشطة ميناء الصيد البحري المعروف بميناء السكرين توسعا كبيرا بعد سلسلة من عمليات التهيئة أهمها في أواسط الثمانينات وبداية التسعينات ليتحول حاليا من حيث النشاط الى أهم ميناء في المجال بعد ميناء المهدية.

هذا الحراك الاقتصادي وما أنتجه من انعكاسات على المشهد الحضري وخاصة في مكونه الخاص المؤسساتي والسكني أنتج كذلك نوعا من الاختناق للمساحة السقوية المحلية وأجبر أصحابها على الهجرة وفي بعض الاحيان على نوع من الصمود العنيد فكلما تجولت بطبلبة لن يصعب عليك العثور على مساحة سقوية أو ما يعرف عند المتساكنين " بالسانية " في الوسط الحضري ويستعصي عليك في بعض الأحيان التفريق هل أنت بالوسط الحضري أم بالوسط الريفي وتنتشر في ثنايا المدينة العديد من أبار " السواني " في شكل أطلال لوسط ريفي كان جاهدا ونشيطا وقد زاد هذه الوضعية تعقيدا على ما يظهر غياب منوال تهيئة عمرانية فيه من الاحكام والدقة وخاصة اعطاء الاعتبار للأوضاع المخصوصة للمدينة ونشاطها السقوي وقد يهدد ذلك باندثار هذا النشاط وقد سبق أن اندثرت من المشهد الفلاحي العديد من المغروسات اذ يذكر الرحالة الأوروبيون في أواخر القرن التاسع عشر انتشار غراسة البرتقال " بسواني" طبلبة وهي اليوم منعدمة تماما .

وقد انعكست هذه الأوضاع سلبا على نوعية الحياة الحضرية لنقص يكون في بعض الأحياء فادحا في مستوى التهيئة والبنية التحتية وغير ذلك من مستلزمات حياة المدن .

ومن جانب اجتماعي أنتج هذا الحراك الاقتصادي تدفقا مهما للعمل النازح من المناطق الداخلية والريفية المجاورة فيه من فضل الاستقرار النهائي غير أنه بقي ينشد الاندماج والتخلص من مظاهر الاقصاء ويشكل ذلك معاناة اجتماعية من النوع اليومي قد تلامس التوتر في بعض الحالات.
وتبقى طبلبة تشكو من ضعف في مبادرة التجهيز العام ويتجلى ذلك في أنها لم تتمتع بمؤسسة تعليم ثانوي الا مع مستهل الثمانينات على الرغم من أهميتها الحضرية والسكنية ومن الغريب ان يتواصل ذلك بحرمانها من تطوير مركز بحثي في مجال الباكورات والزراعة السقوية من طراز عالي وجامعي لعراقتها في الميدان، هذا بالاضافة الى تواضع او عدم توفر للعديد من المصالح الادارية الأخرى ( الستاغ، الصوناد، البلدية، المستشفى...).

ويضعف أو ينعدم التأطير الثقافي ومؤسساته (مسرح،سينماء، فضاءات الفكر الحر...) وتدعو هذه المسألة تحديدا الى نظرة جدية لمواجهة جذور الأنغلاق والتزمت وأطر ذلك والتي لايزال البعض يعمل على غرسها ودعمها.

مهما يكن من أمر فان طبلبة قد وفرت منوال تنمية للمجال المحلي ومجتمعه فيه من المخصوصية الشيء الكثير ولكن تبقى أهم ميزة فيه هو عجز القطاع الخاص عن تعويض القطاع العام مهما كانت درجة امساكه بالدولاب الاقتصادي وباقي مظاهر الحياة الحضرية فيبقى المنوال التنموي بطبلبة ينشد التوازن وخاصة في تجويد الحياة والثقافة.

خليفة معيرش

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose