attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > شؤون وطنية > لا نتنبّأ بالمستقبل بل نصنعه

لا نتنبّأ بالمستقبل بل نصنعه

الأربعاء 19 تشرين الثاني (نوفمبر) 2008

بقلم: ثامر إدريس

في سياق الحوار المفتوح الذي تنظمه جريدة الطريق الجديد على صفحاتها والمتعلّق بانتخابات 2009 أتقدّم بهذه الملاحظات:

لقد شاركت حركة التجديد ومن قبلها الحزب الشيوعي التونسي في كل المحطّات الانتخابية، ولم تكن تتأخّر عن
المشاركة، حتى في الظروف الحالكة، حيث تتصدّى ميليشيات الحزب الدستوري للمترشّحين من المعارضة بالعصيّ والحجارة. والمطروح اليوم في قناعتي، ليس سؤال نشارك أم لا نشارك؟ وإنما سؤال كيف نشارك؟ أي ما هي الصيغ التي نرى حتى تكون مشاركتنا ذات قيمة مضافة بالمقارنة مع التجارب السابقة في مجال الانتخابات بشقّيها الرئاسي والتشريعي؟ وفي الحقيقة لا تنطلق حركة التجديد من فراغ للإجابة عن هذه التساؤلات، باعتبار أن لها أسبقية الترشّح، وبالتالي حتى نستفيد من ممّا سبق لا بد من استخلاص الدروس من تلك المحطّات السابقة وخاصة محطّة 2004

فلقد تمكّنا في الانتخابات التي جرت في سنة 2004 من تقديم مرشّح للانتخابات الرئاسية، ومن تقديم 22 قائمة انتخابية في الدوائر التي احتضنت الانتخابات التشريعية، وهو ما يدلّ على مدى الثقة التي تحظى بها حركة التجديد آنذاك في الأوساط الديمقراطية والتقدّمية.

ومن المعلوم أن نجاح مشروع ما مرتبط بمدى تحمّس الرجال والنساء لذلك المشروع. وقد كان لبعث "المبادرة الديمقراطية" ولالتفافها حول مرشّح حركة التجديد الأستاذ محمد علي الحلواني، دور إيجابي في إبراز صوت اليسار والقوى الديمقراطية والتقدمية في تونس، هذا اليسار الذي لا ينكر أحد مدى مساهماته على مرّ عقود ومنذ فجر الاستقلال في نحت ملامح الدولة الحديثة، وفي إرساء المؤسسة التربوية التونسية، وبعث نواة الجامعة التونسية، وتوطين مجلة الأحوال الشخصية، وإرساء حركة ثقافية في مجال المسرح والسينما وغيرها...

وما أودّ تسجيله، وهنا بيت القصيد ممّا وددت المشاركة به ، هو أنه في خضمّ الحماسة تجاه الانتخابات الرئاسية وتقديم "حركة التجديد/ المبادرة" مرشّح لها باسم القوى الديمقراطية والتقدمية، وقع اللجوء إلى البحث عن مرشّحين للانتخابات التشريعية من خارج حركة التجديد، ومن القوى المساهمة في "المبادرة"، وغضضنا النظر عن مناضلينا كطاقات انتخابية. وقد دفعنا بسبب ذلك ثمنا باهظا وما زلنا.

وفي ظلّ الحماسة بالترشّح إلى الرئاسية غاب تحديد الهدف من الدخول إلى الانتخابات التشريعية، فلا أحد يدري كم من نائب ترغب الحركة في وجودهم في البرلمان؟ ولا أحد فكّر في سبل تقوية موقع حركة التجديد و نجاعة أدائها تحت قبة مجلس النواب؟ فغلبت الحسابات الشخصية والمصالح الفردية، على حساب المصلحة الحزبية المشتركة.

وأصبحنا في الانتخابات السابقة أمام جهازين تنفيذيين، جهاز يدير الشأن الحزبي في الظروف العادية وقد سُلبت منه العديد من الصلاحيات، وجهاز ولد عشية الانتخابات يُنافس الأوّل في إدارة الشؤون الانتخابية ...وهذا دليل قاطع على أنه ما زال أمامنا الكثير ممّا يجب فعله لإرساء تقاليد صحية في التحالفات والعمل المشترك.

وفي ظلّ التداخل في المسؤولية، وقع إغفال تام لواجب حماية صوت الناخبين بتعيين ملاحظين "للحركة/ المبادرة" بمكاتب الاقتراع، حيث لم يسجّل سوى 14 ملاحظا في كامل الجمهورية وقع تعيينهم حصرا ببعض مكاتب دائرة صفاقس الأولى؛ وهذا ما يفسّر النسب المتدنية التي حصل عليها مرشح الرئاسية للمبادرة، والتي حصلت عليها قائمات التشريعية، من دون تناسي دور بعض من تعوّد على العمل في الظلام في مثل هذه المناسبات الانتخابية والذين وجدوا الساحة فارغة أمامهم لكي يعبثوا بأصوات الناخبين .
وبناءا على هذا أتقدّم بملاحظتين الأولى تهم اللامبالاة تجاه حق الحركة في أن يكون لها نواب في البرلمان، والثانية تتعلّق بمسألة حماية صوت الناخبين:

فبخصوص النقطة الأولى، أرى أن توسيع المشاركة للأحزاب المعارضة في مجلس النواب أمر حيوي للمجتمع الساعي إلى التعددية والتحديث ولتوسيع الأطر الديمقراطية. ولقد وقع سنّ تشريعات ضبطت نسب تواجد الأحزاب في المجالس المنتخبة. ووجود مثل هذه النسب لا يجب أن يكون بديلا عن اجتهاد الأحزاب من أجل تطوير قدراتها الذاتية، أو الانسياق الاصطناعي وراء الرفض. فمن المشروع المطالبة بالنسبية على المستوى الجهوي كما على المستوى الوطني، لكن من الحصافة أن لا نقلّل من أهمية أن يكون لحركة التجديد نوابا في البرلمان، وقد بيّنت التجربة أن وجودهم قد خدم مصالح القوى الديمقراطية ومصالح الفئات الشعبية، لا فقط أولائك الحاضرين اليوم في المجلس النيابي، بل كذلك من سبقهم في الدورة العاشرة، والذين لولاهم لما كان للمبادرة أن تعرف النور.

أما بخصوص النقطة الثانية والمتعلّقة بحماية صندوق الاقتراع، فأودّ أن أسجّل أنه قد آن الأوان للتخلّي عن الطرق القديمة، وإرساء عادات جديدة تنبع من القيم المصاحبة للديمقراطية والتعددية. ومن العادات القديمة، المبالغة في الحذر إلى حدّ الخوف من المنافس السياسي؛ أعلم أن الحذر هذا مغروز في موروثنا الثقافي" يلّي خاف نجا " ..و من بين أنواع الخوف المكبّلة، الخوف من امتلاك أسباب القوة. ولا بد من بذل مجهود إضافي لحماية صندوق الاقتراع وصون صوت المواطن من تلاعب المتلاعبين حتى يعكس بموضوعية إرادة الناخبين بعيدا عن كلّ وصاية أو ممارسات مشبوهة، وحتى تتمكّن الأحزاب من قياس موضوعي لقدراتها ولمدى إشعاعها، فكيف يمكن لها ذلك من دون شفافية انتخابية ومن دون التزام بالقانون؟...

وإني على قناعة كاملة بأن الدولة هي الجهة القادرة أكثر من غيرها على الإقناع بجدوى الانتخابات وتعميم القيم المصاحبة للديمقراطية، بحكم ما تملك من أسباب القوة، كم ا أنه بوسعها الإقناع بجدوى شفافية الانتخابات كممارسة ديمقراطية راقية، وذلك أوّلا بالحطّ من عدد مكاتب الاقتراع، وثانيا بتعيين ملاحظين محايدين على مكاتب الاقتراع، وثالثا بالضرب على أيدي العابثين ممّن لا يعيرهم التورّط في تزييف حقيقة صناديق الاقتراع . إن هذا ليس بالعزيز على الدولة التي تمكّن المترشّحين من فرص التواصل عبر وسائل الإعلام المسموعة والمرئية مع الناخبين، والتي من جهة أخرى تقدّم منحا مالية لدعم حملة الأحزاب ولتحفيزها على خوض هذه الحملة .

واستفادة من تجربة "المبادرة الديمقراطية"، وهي تجربة فريدة شدّت انتباه الرأي العام في تونس والخارج،وحتى لا تقع عملية استنساخها بطمّ طميمها، وبغثّها وسمينها، ودرءا لسلبيات هذه التجربة ، فإني أدعو إلى المناداة بالفصل بين الانتخابات الرئاسية والانتخابات التشريعية بمدة زمنية كافية لاسترداد الأحزاب أنفاسها، وتسمح لها بالاستعداد لكل موعد على حدة، وحتى يقع ضمان مصالح كلّ الأطراف، وحتى يقع الإبقاء على هوية كل طرف في انتظار تعديلات قانونية أخرى تسمح للأحزاب بالتقدّم إلى الانتخابات في صيغة تحالفات تضمّ أحزابا مختلفة. فالقانون الحالي يخلو من صيغة الجبهة أو التحالف الانتخابي رغبة منه في تأكيد مبدأ التعدديـة. فمن المعلـوم أن الجبهات الانتخابيـة لا تخدم مصلحة التعدديـة.

لقد رفض البعض في انتخابات 2004 الانخراط في مجهود حركة التجديد/ المبادرة لتقديم مرشّح للرئاسية، وهذا من حقه تماما،وقد تمّ تبرير ذلك بعدم توفّر الظروف الديمقراطية، وبمعنى آخر بعدم تأهّل المجتمع للانخراط في عملية ديمقراطية تعددية. وفي الحقيقة لا وجود لمجتمع ديمقراطي بالطبيعة، أو غير مؤهّل للديمقراطية بالطبيعة. فالديمقراطية عملية تاريخية يقع تعلّمها عبر إعداد الناس وتأهيلهم باتجاه ممارسة ديمقراطية تدريجية، وعبر تقديم القدوة الحسنة في السلوك وفي التحسيس بثماره وانعكاساته إيجابا على المواطن الذي أصبح منغمسا في اللهث وراء مطالبه الحياتية اليومية غير مكترث بالشأن العام، وعبر تحفيزهم على المشاركة بالأخذ بيدهم وتعويدهم على ذلك. فكيف يمكن أن يحصل هذا لو خيرت الأحزاب عدم المشاركة.

والمطلوب اليوم هو التساؤل عن أسباب العزوف عن العمل السياسي وعن أداء الواجب الانتخابي؟ صحيح أن هناك ضغطا يسلّط على المواطنين للذهاب إلى أداء الواجب الانتخابي، خاصة في الريف والأحياء الشعبية، وصحيح أيضا أن عناك عادة حشو وتعبئة صناديق الاقتراع بشكل إداري ومصطنع. كما أنه، وفي ارتباط بنظامنا السياسي الرئاسي، هناك شعور خاطئ لدى العديد من المواطنين بأن حضور الرئيس في حياتهم وإشرافه على كل ما يتعلق بشؤونهم يعفيهم عن أي شيء آخر..بما في ذلك وجود حكومة أو مؤسسات دولة أو برلمان...وهناك، والحال هذه من يطرح السؤال عن جدوى أي عمل سياسي ووجود أحزاب سياسية، غير عارف بأن الدستور قد أكّد على أهميتها وعلى دورها الحاسم في تنظيم الجماهير.

وإلى جانب هذه المعطيات، هناك الدور السلبي الذي يقوم به الإعلام والذي بقي مشدودا إلى لغة خشبية، أكل عليها الدهر وشرب، مقتنصة الفرص لإظهار الوجه السلبي في العمل الحزبي للصف الديمقراطي التقدمي. ويمكن إضافة عوامل أخرى تفسّر العزوف عن العمل السياسي... إنما لكلّ هذه التبريرات نصيب كبير من الصحّة، إلا أنها لا تكفي لتبرير ظاهرة العزوف. وهي لا تبرّر ولا تعوّض مسؤولية القوى التقدمية التي ظلت عاجزة - وهي التي عرفت باجتهاداتها- أمام التحوّلات التي عرفها مجتمعنا خلال العقدين الأخيرين. ولكن مع هذا فإن حالة الإبعاد والمضايقات المختلفة التي عرفتها هذه القوى، يخفّف قليلا من ثقل المسؤولية ولكن بدون تنصّل منها. إن وجود خلافات في اليسار وحالة التشظّي التي أصبح عليها لها بالغ الأثر في عزوف المواطنين عن ممارسة مواطنتهم ويجعلهم ينفرون من الانخراط في العمل المنظم.

وإلى جانب هذه الأسباب الداخلية هناك أسباب خارجية مرتبطة بالعولمة، كأزمة الديمقراطية التمثيلية وعجز السياسة عن الاستجابة إلى التطلعات الجديدة للمجتمع، وهو ما نلاحظه في تصاعد دور جمعيات المجتمع المدني . وعدم إدراكنا لهذه الظاهرة ، وعدم إدراجها في عملنا الحزبي يعطي سلاحا إضافيا لمن لا يؤمن بالعمل الحزبي ولمزيد التشكيك في دوره ولمزيد الطعن في القيم المصاحبة له.

درءا للإطالة، أقول إن انتخابات 2009 ستكون مختلفة عن انتخابات 2004 بدون شكّ. ويُتوقّع أن تكون الانتخابات الرئاسية خالية من المفاجآت بعد إعلان الرئيس بن علي قبول الترشّح لها مجدّدا، إلاّ أنها تمثّل بالنسبة للأحزاب، الممثّلة وغير الممثّلة في البرلمان، فرصة سانحة بتقديم مرشّحها وفق الشروط القانونية، إلا من خيّر البقاء خارج المجموعة، لخوض غمار الانتخابات الرئاسية، إلا من خيّر البقاء خارج المجموعة..
وبناء على أن للشباب دور حيوي في نحت مستقبل البلاد فإنه يجب التفكير من التخفيض في سن التصويت الى 18 سنة لجلب الشباب إلى مجال الفعل في الشأن العام. وذلك بالتركيز على سبل تحفيزهم للانخراط في العمل السياسي المنظم،

إن قضية المستقبل، من حيث هي موضوع تفكير هي من أهمّ القضايا المنوطة بعهدة رجل السياسة. لكن رجل السياسة، بقدر ما إنه غير قادر على التكهّن بما سيكون عليه المستقبل، فإنه قادر على إعداده، عبر الاستفادة من تجارب الماضي وعبر توسيع الفجوات التي يمكن النفاذ منها إلى الفعل السياسي الديمقراطي. فلتعط إشارة الانطلاق للاستحقاقات السياسية القادمة.

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose