attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > شؤون وطنية > من المستفيد من تهجير عشرات العائلات من ًالبراطلً ؟

تحقيق :

من المستفيد من تهجير عشرات العائلات من ًالبراطلً ؟

الأحد 9 تشرين الثاني (نوفمبر) 2008

تحقيق حول حلق الوادي

سفيان الشورابي

ًإننا نقطن منازل هذا الحي منذ عشرات السنين، وأغلب المتساكنين هنا تعد وضعيتهم سليمة قانونيا، ورغم ذلك فإنه لا يمر أسبوع دون أن نتعرض لشتى أنواع الضغوطات لدفعنا الى ترك منازلناً . هذا ما ردده على مسامعنا وبكل إلحاح سكان منطقة عمارة البارون ديرلنجي ًحي البرطالً بمدينة حلق الوادي.. حي يمثل نموذجا مصغرا لتلاقي مختلف الشرائح الاجتماعية والعمرية، والديانات السماوية وتآلف مهدد على
ما يبدو بالتلاشي في كل لحظة اثر مطالبة السكان باخلاء منازلهم والانتقال الى أماكن أخرى.
وأمام أهمية الملف انتقلنا على عين المكان للتعرف على حقيقة ما يحدث، ولكن قبل التعرض الى ما عايناه فإنه من المفيد أن نقدم بعض المعطيات عن هذا الحي الذي تسكنه 70 عائلة، منها من استوطن المكان منذ الثلاثينات من القرن الفارط.

للحي خصوصية أساسية تجلب لا محالة أعين الطامعين والباحثين عن الربح السريع.. فحي البرطال يوجد على مشارف شاطئ حلق الوادي المعروف بإقبال سكان العاصمة عليه بكثافة في كل صيف.. ويشرف الحي من جهة ثانية على أبرز شوارع المدينة، شارع ًفرنكلين روزفلتً المشهور بتعدد المطاعم على حافتيه وبالخصوص مطاعم السمك.. استراتيجية هذا الموقع تثير من المؤكد رغبة الكثيرين في الاستحواذ على المكان لانجاز مشروع يدر الأرباح الطائلة ولو انجر عن ذلك تشريد كل ساكنيه.

وضع استراتيجي للحي

والمركب السكني محل الاشكال كان على ملك البارون ديرلنجي قبل أن يقع التفويت فيه بالبيع في شهر فيفري 1975 للسيد محمد بن عمار بن حسين بعد تدخل من الدولة لفائدته، وأصبح المالك الجديد لكامل المركب يتحصل بشكل دوري على معاليم الكراء وصرح لنا بعض المتساكنين ممن يملكون منازلهم بموجب تمتعهم بحق الشفعة والذين قاموا بناء على ذلك بدفع المقابل المالي لذلك وسجلوا عقاراتهم بدفتر الملكية العقارية وذلك في أوائل التسعينات، واثر ذلك بدأت تتزايد أهمية المكان خصوصا مع التطور العمراني الكبير الذي شهدته مدينة حلق الوادي، زيادة على تعاظم دورها التجاري والسياحي وحركية نشاطها الاقتصادي، ومنذ ذلك الحين لم يهنأ قاطنو الحي وتغيرت ملامح حياتهم، فلا تمر سنة واحدة من دون أن يطالبوا بترك بيوتهم تحت مبررات وأسباب تختلف وتتغير في كل مرة، الا أن جوهرها واحد: تهجير هؤلاء المتساكنين من منازلهم لترك الأرض الفسيحة التي تناهز الهكتارات لمن يريد الانتفاع بها.

آخر ما استجد في الموضوع هو صدور برقية من معتمد حلق الوادي السيد علي الرياحي يوم 20 أوت 2008 يعلم فيها المتساكنين بضرورة إخلاء مساكنهم وأنه في صورة عدم امتثالهم فسيتم اللجوء الى القوة العامة، مستندا في ذلك على قرار الهدم الصادر عن بلدية حلق الوادي، كما أعلم المتعمد المتساكنين في نفس هذه البرقية بأنه قد وضعت على ذمتهم مساكن من نوع اقتصادي بسانية الرمان بالكرم (وهي منطقة بعيدة عن مناطق العمران كما ذكر لنا البعض ممن استجوبانهم).

احتجاج السكان

هذا الخبر نزل كالصاعقة على المتساكنين بعد أن أصبحوا امام الأمر الواقع، بل الأقسى من ذلك انهم مطالبون بالخروج من منازلهم في ظرف أسبوع واحد!! لمواجهة هذا القرار لم يجد المتساكنون من حل سوى تجميع شملهم في جويلية للاتصال ببلدية المكان فوجدوه مقفرا من موظفيه وأعوانه، فاعتصموا يومها في بهو البلدية الى حين معرفة مصيرهم، ولم يفك الاعتصام يومها الا بحلول عدد من المسؤولين الأمنيين الذين رافقوا ممثلين عن المتساكنين الى مكتب العلاقات مع المواطن التابع لرئاسة الجمهورية، وبعد استعراض ما وقع لهم تلقوا ـ حسب ما أكدوه لنا ـ وعودا بعدم تعرضهم لأي مكروه وأنه لن تقع مطالبتهم بالخروج.

إلا أن أثر هذا الموقف لم يدم طويلا، حيث عاود معتمد الجهة الاتصال بالسكان عارضا عليهم مرة أخرى منازل بالكرم مقابل الخروج من مساكنهم، هذا التصرف حث المتساكنين على رفع عريضة الى المحكمة الابتدائية بتونس العاصمة ضد معتمدية حلق الوادي وطالبوا أن تمدهم بنسخة من قرار الهدم هذا الذي انبنى عليه طلب الاخلاء، وفي أوائل شهر أكتوبر أصدرت المحكمة قرارا بتمكين العارضين من نسخة قانونية من قرار الهدم المتعلق بالعقارات المعنية، الا أن هذا القرار هو من قبيل الوهم حيث رفضت السلط مدهم به، كما سجله محضر مخابرة من طرف عدل منفذ، وهو ما أعطى انطباعا بأن المسألة مفتعلة وأن قوة الحجة القانونية لفائدة متساكني البرطال ستشفع لهم، وهو ما لم يحدث حسب ما نقله لنا عدد من المعنيين بالأمر.

انتــزاع

انطلقنا اذا في الصباح الباكر الى حي البرطال واستطعنا بشيء من التخفي أن نتحدث مع عدد من السكان من دون أن نجلب انظار ًالمراقبينً الذين يترصدون باستمرار كل غريب عن المنطقة لتتبعه. المقابلة الأولى كانت مع مالك أحد المنازل بالحي، كان يقطنه على وجه الكراء منذ السبعينات قبل أن يقتنيه بشكل سليم سنة 1984 بموجب حق الشفعة، وعلى أساس عقد بيع قانوني، وفي شهر أفريل 2006. قامت لجنة الاستقصاء والمصالحة بولاية تونس بعملية تقدير لقيمة منزله اضافة الى محلات بقية المتساكنين قصد انتزاعها لفائدة وزارة أملاك الدولة والشؤون العقارية، إلا أنه وقع التخلي عن مواصلة بقية اجراءات الانتزاع لأسباب مازالت مجهولة الى حد الآن.
وأضاف مخاطبنا انه يشتغل تاجرا في السمك، ولا يستطيع بحكم عمله أن يبتعد عن موطن عمله الوحيد.

رفــــض

ًقيل لنا أنه لا ظلم بعد اليومً.. هكذا كررت علينا مالكة أحد العقارات الموجودة بالحي، مساحته 108م.م. مهيأ كمطعم سياحي، تقطنه منذ عام 1980، وفي سنة 2006 اقترحت عليها لجنة الاستقصاء التفويت في منزلها لفائدة أملاك الدولة بسعر أقل من قيمته الحقيقية، وهو ما جعلها ترفض المقترح بشكل مطلق لأنه بدا لها أن الانتزاع ليس مخصصا لمصلحة عامة، وانما هناك رغبة في بيعه للخواص. وقالت ًلا يوجد أي تونسي أحق مني في الإقامة هنا وأنا متشبثة حتى الموت بالبقاء في منزلي ومورد رزقيً..

قمنا اثر ذلك بجولة سريعة بين الأزقة الصغيرة للحي، فكان لنا مشهد يكشف كل شيء باستثناء أي مظهر من المظاهر الدالة على تشقق الجدران او تصدع في بناية تدفع بلدية حلق الوادي لاتخاذ قرار الهدم لتلك المساكن.

في أحد المنازل سيدة أجنبية تقطن بمفردها منذ ما لا يقل عن 57 سنة على وجه التسوغ وتسدد بشكل منتظم معاليم الكراء الى خزينة الدولة. وصرحت لنا أنها تسكن المكان بمفردها بعد وفاة والديها، وهي التي فضلت أن تبقى عزباء.. لقد تسبب لها قرار الهدم في انهيار عصبي استوجب نقلها الى أحد المستشفيات.
اصـرار على البقاء

وفي حقيقة الأمر أجمع المتساكنون الذين قمنا باستجوابهم، سواء المالكين منهم أو المكترين منذ عشرات السنين، عن رفضهم الانتقال الى أماكن أخرى، وأنهم لن يدخروا أي جهد في سبيل المحافظة على مساكنهم، وهم ينتظرون تجاوبا ايجابيا من قبل السلط المحلية والجهوية لحمايتهم وحماية محلاتهم.

سفيان الشورابي


إزالة ًالبراطلً جريمة في حق تاريخ البلاد

احتضنت بناية ًالبراطلً أو دار ًالبارون ديرلنجيً الموجودة بمدينة حلق الوادي سكانها من أبناء الديانات الثلاث. الاسلام واليهودية والمسيحية.. حيث عاشوا كأفراد أسرة واحدة، وعوض أن نسمع بالعزم على اخراج أولئك السكان وترحيلهم الى مكان آخر، كنا نود أن نسمع أن وزارة التجهيز والاسكان ووزارة الثقافة والمحافظة على التراث ومعهد التراث وبلدية حلق الوادي ولجنة صيانة المدينة.. الخ.. قد أعدوا برنامجا لتعهد البناية بالاصلاح والترميم، كي تبقى حاضرة وشاهدة على صورة ناصعة من تاريخ البلاد.
ويتردد أن الموقع الاستراتيجي لتلك البناية التي تفتح على البحر من جهة شارع الجمهورية وشارع نبض الحياة في المدينة ًروزفلتً، قد أغرى البعض الذي ربما فكر في اقامة مركب سياحي ونزل مكانها، وان صح هذا الكلام وأخرج السكان وهدمت البناية، فإن ذلك سيعد جريمة في حق تراث البلاد وتاريخها.

إن تلك البناية إرث انساني للتونسيين جميعا لا يجوز المساس بها والتعسف على سكانها واجبارهم على اخلائها، فكما يمنع القانون المساس بالآثار البونيقية والفينيقية والرومانية والعربية، باعتبارها جزءا من الإرث الحضاري الانساني للبلاد، فإنه من الضروري أن يمنع هدم ًالبراطلً خصوصا بعد أن تم الشروع في بيع المساكن للبعض من سكانها.

فهل سينتبه أولو الأمر الى خطورة ما يهدد تلك البناية ويعملون على إعادة الطمأنينة الى سكانها؟

محمود العروسي

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose