attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > مـنبـر اﻵراء > المعارضة الديمقراطية و الإنتخابات

مطارحات مطارحات

المعارضة الديمقراطية و الإنتخابات

السبت 8 تشرين الثاني (نوفمبر) 2008

لا صوت يعلو فوق صوت معركة التغيير

فتحي الهمامي

سنة تقريبا تفصلنا عن الإنتخابات الرئاسية و التشريعية في ظل مؤشرات و أدلة ? يلاحظها كل متابع للحياة السياسية- تبين مدى الإستعداد " السلبي " للسلطة الحاكمة لهذا الموعد السياسي الهام بمحاولة إحتوائه و محاصرته و حتى تدجينه . إذ تسعى هذه الأخيرة بكل الطرق لإعادة إخراج مشهد إنتخابات 2004 ذاته بتكرار نفس السيناريو المخيب للآمال و نفس الصورة المؤسفة و ذلك بتثبيت ذات الشروط المنافية لمصداقية و نزاهة العملية الإنتخابية و هذا ما يضمن للحكم بالطبع دوام الهيمنة و السيطرة .

أما المعارضة الديمقراطية فتحاول جاهدة مواجهة هذا الإستحقاق السياسي بإعتباره لحظة هامة في نضالها من أجل التغيير الديمقراطي و تكاد تجمع بجميع مكوناتها على توصيف الوضع السياسي العام الذي ستنتظم في إطاره الإنتخابات القادمة . فهي ترى أن النظام الإنتخابي يشكو عيوبا جمة و لا يضمن أبدا العدالة بين الفرقاء السياسيين بل يكرس نزعة إحتكار و وصاية الفريق الحاكم و كذلك الظروف السياسية الواقعية لا توفر بتاتا مقومات الشفافية و التنافس الحر و تعتبر مخالفة لمقتضيات التعددية الفعلية إذ مازال حزب الحكم يصر على تطويع الإعلام العمومي و على إخضاع الإدارة لإرادته و على إحتكار الفضاء العمومي“.

و تعتقد المعارضة أيضا أن هذا الوضع الغارق في سيل من الصعوبات و السلبيات سيلقي بظلاله حتما على مجمل العملية الإنتخابية و سيؤثر لا محالة على مبدأ الإختيار الحر و على تجسيم الهدف الأسمى لأي مشاركة إنتخابية، نعني بذلك تجسيد التمثيل الحقيقي الضامن لسيادة الشعب. كما تتفق المعارضة في الرؤية حول جملة المطالب و التطلعات حتى تقطع الإنتخابات المقبلة مع سابقاتها الصورية و الشكلية, فتعمل بما إستطاعت من إمكانيات على دفع السلطة إلى إجراء تحويرات جوهرية على كامل المنظومة الإنتخابية و إلى مراجعة واقع الحريات العامة و الفردية و إلى تنقية المناخ العام ... إذ لا تكاد الحملات و الضغوط تنقطع في هذا المجال . و كانت تيارات المعارضة أجمعت منذ مدة على نقد و رفض القانون الدستوري المنظم للرئاسيات المقبلة لما فيه من نزعة إقصائية وإنتقائية .

لذا يرى أنصار مبدأ المشاركة في الإستحقاق القادم أن الإختراق الإنتخابي شبه مستحيل في ظل الظروف الحالية و في ظل إختلال ميزان القوى، خاصة إذا بقيت الأوضاع على حالها حتى الإنتخابات و بالتالي لن يخلد بذهن أحد في المعارضة الديمقراطية أنه مقبل على رهان إنتخابي ما، بل كل الهم سينصب على إستثمار ذلك الهامش الضيق الذي ستوفره أجواء الإنتخابات للقيام بحملة سياسية تعرف فيها الأحزاب ببرامجها و أفكارها و تلتقي أوسع الناس في محاولة لنزع الطابع الشكلي عن الموعد وذلك بتنشيط إهتمام المواطنات و المواطنين بالشأن العام و محاصرة ثقافة الإستسلام و أيضا مقاومة ذلك الطقس الممجوج و المعاد المتمثل في المبايعة و تجديد العهد. تلك هي بعض دوافع المساهمة في موعد 2009 .

و لكن أمام هذا الإنسجام في التحليل و الإشتراك في التطلعات و الإتفاق على معاني المشاركة في الإنتخابات مع ما يميز المعارضة من إلتقاء حول مبادىء الحرية و الجمهورية و الديمقراطية و العدالة“ يتساءل المراقب السياسي عن المانع الذي يحول دون توحيد كل الطاقات و تجميع كل الإمكانيات لخوض المعركة معا و بأي شكل يتفق عليه.
الحقيقة أنه بعد قراءة مختلف المبادرات بدأت تتوضح ملامح الصورة داخل المعارضة الديمقراطية العازمة على المشاركة في الإنتخابات إذ إنبثق عنها إتجاهان لكل منهما أسلوبه و تكتيكه في معالجة إستحقاق .2009 فأحدهما - ويختص به حزب واحد دون غيره - تغلب على أدائه الصبغة الإنفرادية و الإحتجاجية إذ سارع إلى ترشيح أحد قيادييه إلى الرئاسية و أعلن عزمه تقديم قائمات بكل الدوائر إلى التشريعية بدون أدنى مشاورات مع غيره ) و هذا من حقه بالطبع ( كما يؤمن هذا الحزب بالدور المصيري " للرمز" و " الزعيم " في عملية تغيير ظروف و نتائج الإنتخابات من خلال فتح المجال أمامه للمشاركة في منافساتها، حتى أن قيادي آخر من ذات الحزب إعتبر أن الإنسحاب المستقبلي لمرشحه من السباق الرئاسي - إذا تم ? سيعتبر علامة من علامات تأجيل آخر لموعد نقل السيادة للشعب , هذا و يكتنف الغموض مآل المرشح الإحتجاجي و أيضا مستقبل العمل المشترك بين هذا الحزب و بقية روافد الحركة الديمقراطية، على الأقل حول الأدنى المشترك!

أما التوجه الآخر و الذي يضم بقية أطراف المعارضة فيؤمن أصحابه إيمانا راسخا بجدوى العمل المشترك و بأهمية تجميع الجهود و توحيد القوى للدفع بمعركة التغيير السياسي إلى الأمام و صولا إلى التعاطي الجماعي مع الإستحقاق الإنتحابي بعد عام. فالقناعة ثابتة عند هذا الفريق أن أجندة الإصلاح السياسي الشامل تستوجب لف أوسع القوى الممكنة و تعبئة قطاعات واسعة من الرأي العام و يرى أيضا أن مبادرات الإحتجاج من جانب واحد و الحملات السياسية الفردية و المواقف الإنفعالية غير قادرة على الفعل الجدي في مسار الإنتقال الديمقراطي، إذ يلزم تلك المعركة الطويلة و المعقدة تعديل جوهري في ميزان القوى . و بالفعل إنطلقت منذ مدة ديناميكية إئتلافية واعدة ضمت أحزاب و شخصيات مستقلة أقدمت على تكوين "المبادرة الوطنية من أجل الديمقراطية و التقدم" كما بدأت نقاشات معمقة و مشاورات واسعة بين "التكتل من أجل العمل و الحريات" و "حركة التجديد" لبلورة رؤية مشتركة في كيفية مواجهة الإستحقاقات القادمة و كانت الأخيرة قد أعلنت أنها تضع الإمكانية المتاحة لترشح أمينها الأول للرئاسة على ذمة الحركة الديمقراطية برمتها و ذلك إنسجاما مع إستراتيجية الإنفتاح و التحالف التي تسير على هديها الحركة، كما إعتبر أحمد إبراهيم نفسه مرشحا بالقوة و أن مبدأ الترشح مفروغ منه.

في هذا الإطار ثمة مسألة هامة بحاجة إلى حوار و بحث تتعلق بتوقيت إعلان ترشح أحمد إبراهيم إلى الإنتخابات الرئاسية. فإشكالية الموعد ظاهرها مسألة تقنية و إجرائية لكنها في باطن الأمور تحمل دلالات و معاني سياسية . تبدو حركة التجديد و حلفائها في هذه القضية أمام خيارين لا ثالث لهما : أحدهما الدفع بالترشح منذ الآن نظرا لما تكتسيه مؤسسة الرئاسة من أهمية بالغة في نظام رئاسي. فميزة هذا التمشي أنه يوفر إمتدادا زمنيا غير قليل أمام المرشح ربما يحدث به إختراقا على مستوى الإهتمام الإعلامي و يلفت نظر جزء من الرأي العام إلى أفكاره و آرا ئه و يجلب عنايته إلى جملة العراقيل الموضوعية التي تحاصر دعايته و حملته . لكن نقطة ضعف هذا الخيار أنه ربما يوقعنا في ما وقع فيه غيرنا بسبب التركيز المفرط على الرئاسية و الذي يقود إلى نوع من التسليم بواقع سلبي يتميز بسيادة الفرد و غياب المؤسسة و بإنحراف النظام الجمهوري إلى نظام رئاسوي و بشخصنة السلطة. هذا الواقع أدى بدوره إلى بداية ظاهرة شخصنة المعارضة فقائد التغيير ورمز المسيرة في الحكم يقابله الزعيم التاريخي و المنافس الجدي الذي لو ربح قضية حق الترشح لكان على يديه الفتح المبين ونقل تونس إلى جنة الديمقراطية .

أما الجانب السلبي الآخر فمن الممكن أن تقوم الأصوات المناوئة و دعاية الحكومة بإستغلال الترشح المبكر لتقدم أحمد إبراهيم في صورة مرشح عادي في أوضاع ديمقراطية عادية يقوم بحملة مبكرة لكسب أصوات الناخبين و هذا دليل حسب رأيهم على سلامة الأوضاع و لا إشكاليات جوهرية تعترض مسيرة الإنتخابات.

و بخصوص خيار تأخير موعد الترشح فأعتقد من جهتي أنه خيار أقرب إلى الواقعية وإلى ذهنية التمشي السياسي العام الذي يقود التجديد و حلفائه. و أنا أرى توقيته المناسب قبل الصائفة القادمة بقليل. فمعركة تحسين المنظومة الإنتخابية لها الأولوية القصوى و تتطلب مزيد رص الصفوف و تكاتف أوسع القوى لتتمكن من رسم برنامج نضالي إلى حين موعد الإنتخابات. و يعتبرالتجمع السياسي المنشود لبنة أخرى في بناء القطب الديمقراطي التقدمي و ليس تكتلا إنتخابيا ينفرط عقده بإنقضاء الإنتخابات. كما يجب ألاّ ننسى أن رافدا هاما من الحركة الديمقراطية و أعني بذلك حزب التكتل لم يحسم أمره بعد في موضوع الرئاسية و إن عبر أمينه العام عن تفضيله للمرشح الممكن.
إن تأجيل ترشح أحمد إبراهيم إلى حين سيقيم الدليل على أننا نصر على خوض معركة تغيير الظروف العامة للإنتخابات قبل تنظيمها و سينظر إلى ترشح أحمد إبراهيم في حينه- إضافة إلى ديناميكية إعداد قائمات التشريعية- على انه تتويج لمسار سياسي و لحركة إيجابية تدعمت فيها روابط التحالف و تبلورت أكثر أرضية المشروع الحضاري المشترك للمعارضة.

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose