attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > في العالم > رجل أسود في البيت الأبيض

رجل أسود في البيت الأبيض

الأحد 9 تشرين الثاني (نوفمبر) 2008

بقلم: ثامر إدريس

أخيرا باحت الانتخابات الرئاسية الأمريكية عن أسرارها بانتخاب بارك أوباما الرئيس الرابع والأربعون للولايات المتحدة الأمريكية. فقد حصد باراك أوباما 339 صوتا من أصوات كبار الناخبين الذين يمثلون المجمع الانتخابي، بدون اعتبار أصوات الولايات الغربية، في حين تكفيه 270 صوتا من أصوات كبار الناخبين ليصبح رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية. بينما حصل منافسه الجمهوري جون ماكين على 162 صوتا.

والملاحظ في هذه الانتخابات أنها صالحت بين الناخبين الأمريكيين والذين يعدون 220مليون ناخب وصناديق الاقتراع حيث شوهدت طوابير طويلة أمام مكاتب الاقتراع منذ الصباح الباكر لتأدية الواجب الانتخابي، ويمكن القول أنه قد وقع تحطيم الرقم القياسي من حيث كثافة المشاركة، وعلى خلفية الأزمة المالية الراجعة إلى سياسة " دعه يفعل " المدعومة من طرف كل المؤسسات، والتي أدت إلى تفاقم ديون كل مكونات المجتمع .
ولقد اتخذ أوباما شعار التغيير شعارا لحملته، واعتبر أن انتخابه رئيسا هو بداية التغيير وليس التغيير بحدّ ذاته، ومعتبرا أن التغيير لا يمكن أن يحدث بدون مشاركة الكل. كما قال بأن قوة بلاده الحقيقية ليست فقط بالسلاح ولكن بالديمقراطية والتعدّدية.

وقد وصلته تهاني الرئيس الحالي جورج بوش، كما اتصل به جون ماكين مهنئا على إيّاه على فوزه حاثّا جميع الأمريكيين الذين ساندوه على مساندة أوباما للعمل على توفير الرفاهية والأمن لكل الأمريكيين، وتعهّد بدعم الرئيس المنتخب.

وتُعتبر هذه الانتخابات الأكثر إثارة في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية من حيث المدة إذ تطلبت واحدا وعشرون شهرا بمختلف مراحلها، ومن حيث الإنفاق إذ تمّ صرف مليار وحوالي 500 مليون دولار على الحملة، والأهمّ من هذا أنها شهدت ترشّح أول مرشّح من أصول إفريقية لمنصب رئيس أكبر دولة لها تاريخ طويل مع الميز العنصري، وفي النضال من أجل المساواة بين الألوان، مثلما شهدت ترشّح امرأة للمرة الثانية لمنصب نائب رئيس الدولة.

ولئن كان فوز أوباما على ماكين منتظرا حسب استطلاعات الرأي ومكاتب رصد التوجهات الانتخابية، فإن فوزه قد أكّد توق الشعب الأمريكي إلى التغيير على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وقد وجد في هذا الشاب، الأسمر الوسيم والرشيق، الجدارة بتحقيق هذا الطموح إلى التغيير.

وبهذا الانتخاب يكون باراك أوباما أول رئيس أسود يدخل البيت الأبيض ويجلس وراء المكتب البيضاوي الذي اتخذت فيه اخطر القرارات التي تهم الأمريكيين وتتجاوزهم لتهم كل شعوب العالم.

ودخول هذا الشاب من أصول إفريقية إلى البيت الأبيض يعتبر تتويجا لنضال مرير ضد الميز العنصري ولنضال الستينات من أجل المساواة والعدالة بين السود والبيض، وسيكون جلوسه في المكتب البيضاوي حافزا جديدا لسود أمريكا في سبيل المطالبة بمزيد من العدالة والمساواة. وسوف لن تكون مهمته سهلة لأنه رئيس للأمريكيين وليس للسود فقط.

والسؤال الذي يخامرني، كمتابع لهذه الانتخابات، بعد هذا الفوز الكاسح، هو هل يمكن لأمريكا، التي تشهد أكبر الانهيارات المالية حيث دخلت ركودا اقتصاديا هو الأخطر منذ أزمة 1929، ملقيا بضلاله على العالم، أن تمثّل نموذجا للعالم؟ وهل مازال نمط الحياة الأمريكي" The American way of life" يمثّل قوّة جذب للأمم والشعوب وقد بدأنا نلمس ظهور بواكير التعدّدية القطبية بصعود الصين والهند وروسيا فضلا عن الإتحاد الأوربي؟ وهل يجد أوباما الحلول الداخلية لمشاكل أمريكا ولمشاكلها الخارجية على أكثر من صعيد؟

وفي انتظار الإجابة عن هذه الأسئلة وفيما يخصّنا، فإني أريد تقديم بعض الملاحظات، على أن لا تفهم على أنها تدخّل في شؤون دولة عظمى، وإنما على أنها تدخل في باب مجبر أخاك لا بطل.

أوّلا : لا بد من القول بأن المطالبة بالديمقراطية في منطقتنا، نتيجة السياسات التي اتبعها الرئيس الحالي جورج بوش الابن، قد أصبحت مرادفة للنفاق السياسي ومجرّد شعار لتبرير التدخّل العسكري وانتهاك سيادة الدول، وأصبح من اللازم والحتمي فكّ الارتباط بين المناداة بالديمقراطية من ناحية، وفرض الهيمنة العسكرية من ناحية ثانية. فلا بدّ أن الإدارة الأمريكية القادمة على بيّنة واضحة أن المطالبة بالديمقراطية وبالإصلاحات السياسية لدعم المؤسسات وتحطيم الحواجز المعطّلة لتجذير الديمقراطية، يجب أن تنبع من الداخل، وأن الضغوط الخارجية على الأنظمة لتخفيف قبضتها على فعاليات شعوبها المتطلّعة إلى الحرية، هي ضغوط فاقدة للمصداقية ، ولم تلق التجاوب الشعبي لأنها ضغوط صادرة عن أطراف لا تثق فيها الشعوب، لا سيّما وأنها قد استعملت الديمقراطية وحقوق الإنسان كمجرّد أدوات لابتزاز الأنظمة والشعوب في آن واحد؛ وهذا ما بينته التجربة في العراق وفي فلسطين.

وثانيا : فيما يتعلق بالمهمة المتمثّلة في مقاومة الإرهاب والتي أغرقت إدارة بوش في العجز، فإنه لا بدّ من أن لا يقع حشر النضال في سبيل استقلالية الأوطان في خانة الإرهاب، فضلا عن التسلّح بقناعة أن الانتصار على الإرهاب، لا يحصل باستعراض القوة العسكرية وملاحقة رموز الإرهاب عبر إمطار المسالمين بالقنابل، كما تفعل الإدارة الأمريكية الحالية، بل يستوجب إيجاد الخطط المسنودة ماليا للقضاء على الأسباب العميقة للإرهاب كالفقر والأمية ، وإرساء مقومات التنمية على مختلف الأصعدة بما من شأنه توفير الأمن والشعور بالطمأنينة.

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose