attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > الطريق الثقافي > وصـــية

قصة قصيرة

وصـــية

الأربعاء 29 تشرين الأول (أكتوبر) 2008

انفطر قلبه لخبر نعيها ولكن سرعان ما تهللت أساريره وشكر السماء. فحسونة قد محق أنوثتها منذ السنوات الأولى لزواجهما والأولاد رسموا على وجهها الغبرة والقترة، خرجت حارته عن بكرة أبيها لتوديعها، الكل يلهج بحسناتها، نحيب النساء اختلطت بالدموع، وبدت مشاعر الرضا على القدر الذي عجل برحيلها، فهي ستستريح من حسونة وظلم حسونة وشقاء الأولاد.

رأى حسونة يومها متزنا في كلامه لا يترنح يمنة او يسرة وقد انتبذ مكانا قصيا من داره وتحلق حوله عدد كبير من اصدقائه هبوا اليه من كل الأحياء المجاورة يرفعون اليه التعازي والمواساة ولسان حالهم يقول. لو ان ما أصابك من صنع البشر لمزقناه شر ممزق ولخرقنا الأرض وبلغنا الجبال طولا.

خاطت الملابس حتى عشى بصرها ولبثت سنين طويلة تشتغل في دور اليسار، سائقو الحافلات المتجهة صوب الولايات المجاورة سيتساءلون عن غيابها. كم شاهدوها تحمل الأوزار لا تسأل الناس إلحافا، منذ سنوات ضربت معهم مواعيد في أيام الآحاد وفي العطل الدينية والوطنية لزيارة أبنائها المسجونين، وكم اتفق ان سلخت ساعات عشية العيدين متحولة بين جهة واخرى لتغشى هذا السجن ثم تنصرف منه بين عين دامعة للوعة الفراق ورجل مهرولة حتى تزور ابنها الثاني قبل أن توصد أبواب السجن. تعود الى بيتها مسودة الوجه كظيمة تدس رأسها في الاسفلت متسللة الى مخدعها متوارية من الجيران.. وكم اعترض طريقها ـ تحت جناح الليل فازعة من فضاء منزلها الأخرس باحثة عن عبد الرحمان ـ معتوه الحي، لتسأله عن مصير أبنائها.

تاجر الحي وخضاره وخبازه وجزاره شاهدتهم يقتربون من حسونة ويهمسون في أذنه.. كان النهار في صولة شبابه وظل الجدل قائما حول مكان دفنها وتزعم في الأثناء الحاج عمار مجموعة من الرجال توجهوا منذ الساعات الاولى الى السلط حتى يودع الأبناء أمهم قبل الفراق الأخير.
كان يرد على تحايا جاراته وقد عادت به الذاكرة الى زمن الأنس بحيه وأزقته وطيبة أهله العفوية ولسان عم الهادي اللاذع وصوت ˜كوكوبات المزمجر. شده جمع من لداته متحجبات وفيهن المنقبات كن بالأمس القريب يمطرنه بابتسامتهن العذبة ويسلبن قلبه حسن عزائه.

اذن لصلاة العصر والحاج عمار وجماعته لم يأتوا بعد ولا خبر عن حضور الأبناء موكب دفن أمهم. تعالت الأصوات عديدة منادية بوجوب اكرام الميت بدفنه وخيض في جدال عنيف حول أسبقية صلاة العصر على صلاة الميت ثم خيم صمت فكأنما على رؤوس الحاضرين الطير سرعان ما بددته بربرة حسونة وقد استنفر اصدقاءه يتابعون هرولته نحو داره التي كانت شبه موصدة فقد اصطفت مجموعة من أصحاب اللحى والمحجبات امام بيته.. كان يسترق السمع وبعد لأي تناهى الى أذنيه وصية وصية.

الامضاء. أبو زينب

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose