attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > شؤون وطنية > الحوار لا يقوم إلا على أساس إقرار الانفراج في المناخ السياسي والاجتماعي (...)

كلمة أحمد إبراهيم، الأمين الأول لحركة التجديد في الندوة الوطنية حول التشغيل

الحوار لا يقوم إلا على أساس إقرار الانفراج في المناخ السياسي والاجتماعي العام

الأربعاء 15 تشرين الأول (أكتوبر) 2008

الجلسة الافتتاحية 07/10/2008

سيّدي رئيس لجنة الاستشارة الوطنية حول التّشغيل

سيّداتي، سادتي

[bleu]اسمحوا لي بادئ ذي بدء بأن أعبّر عن تثميني للسّير الذي سارت عليه حتى الآن هذه الاستشارة الوطنية، وللعمل الذي قامت به اللجنة المكلّفة بها على صعيدي المحتوى والأسلوب حيث أنها- في ما يتعلق بالمحتوى- قد اعتمدت النقاش الجدّي والبعيد عن المجاملات لتشخيص مختلف جوانب معضلة البطالة والسلبيات الهيكلية التي تقف عائقا دون النجاح في معركة التشغيل على الوجه المطلوب، وصاغت بناء على ذلك التشخيص الجريء مقترحات عملية معظمها قابل للتطبيق، كما أنها – وعلى صعيد الأسلوب الذي توخّته- قد اتّسمت بالانفتاح على مختلف الطاقات وتشريك كفاءات مشهود بها تنتمي إلى اتجاهات فكرية وحساسيات سياسية متنوّعة. هذا الانفتاح أودّ هنا التنويه به معبرا عن ابتهاجي بالخطوة التي قطعت في اتجاه مزيد توسيعه بتوجيه الدعوة لحضور هذه الجلسة إلى جميع الأحزاب بقطع النظر عن تواجد أو عدم تواجد ممثلين عنها في البرلمان. وأغتنم هذه الفرصة لتوجيه التّحية إلى الأخ الدكتور مصطفى بن جعفر، الأمين العام للتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات، الموجود بيننا في هذه القاعة.[/bleu]

إنّ فتح باب الحوار على مصراعيه أمام كل الطاقات الوطنية، دون استثناء أو إقصاء، لتساهم بكل حريّة وبكل صراحة وبدون محرمات في كنف احترام الرأي المخالف، إن فتح باب الحوار الوطني الديمقراطي والتعددي ضرورة حيويّة لكسب معركة التنمية ومعركة التشغيل. وهذه الضرورة يزداد طابعها الحيوي والملحّ في ظل الأوضاع الحاليّة وتداعيات الأزمة المالية العالميّة، التي لسنا نحن التونسيين في مأمن من انعكاساتها ولا نملك مناعة خاصّة ضد عواقبها، ولذلك وجب الإقلاع عن التمادي في الرّضاء عن الذات،والتحلّي بالصراحة واعتماد الواقع كما هو بايجابياته وسلبياته...
نعم! أيها السادة والسيّدات، إن نهج الصراحة ونهج الجديّة ونهج الانفتاح على كل الاجتهادات الوطنية
على اختلاف مواقفها ورؤاها، هو النهج الصحيح، ولذلك أريد أن أحيي مرّة أخرى عمل اللجنة والدّور الذي لعبه رئيسها ومختلف الاختصاصيين بحساسياتهم المتنوعة، في انتهاجهم نهج الجديّة والصراحة والنقد البناء الذي يضع الأصبع على أهم مواطن الخلل ويرسم الخطوط الواضحة لتجاوزها نحو ما هو أنجع وما هو أفضل لكسب المعركة الوطنية من أجل التنمية والتشغيل.

إن التّشخيص الذي جاء في تقرير اللجنة هو في مجمله تشخيص سليم ودقيق قد أبرز بوضوح وعالج بجدّية أهم المشاكل التي تطرحها قضية التّشغيل، وهو بذلك يعبّر عن أهم انشغالاتنا في حركة التجديد، وهي انشغالات لا تنفصل عن الانشغالات الوطنية... وفي نفس الوقت الذي أعبّر فيه عن أملي في أن تكون هذه النّدوة مواصلة وتعميقا لأعمال اللجنة وأن تصدر عنها توصيات تكون في مستوى عمق المعضلة وخطورتها وفي مستوى الانتظارات المعلّقة عليها، فإني أودّ التّركيز على النقاط التالية:

- النقص في كميّة الاستثمارات، أهم أسبابه وسبل تداركه.
- النقص في نوعية الاستثمارات والشروط الواجب توفيرها لربح معركة التنافسية، لا سيّما فيما يتعلق بحسن استغلال الرأس مال البشري.
- الاختلالات التي تشكو منها "سوق الشغل" ووسائل إصلاحها.
- اختلال التوازن بين شرق البلاد وغربها وضرورة سياسة تنموية من طراز جدي-
- دور الدّولة والعامل السياسي عامّة في ربح معركة التّنمية.


- أوّلا وفيما يتعلق بحجم الاستثمارات لا سيما تلك المتأتية من القطاع الخاص أود لفت الانتباه إلى أن الاستثمار إجمالا في تناقص ملحوظ إذا ما استثنينا مجال الطاقة، حيث تكاد نسبته من الناتج الإجمالي لا تتجاوز الـ 20 إلى%21 ، ولا بد إذن من مجهود كبير لإعطاء دفع لهذه الاستثمارات وذلك بتحقيق مناخ من الثّقة، عبر فرض احترام قواعد المنافسة على الجميع على حدّ السواء واعتماد علويّة القانون بالنسبة للجميع مهما كان قربهم أو بعدهم من السّلطة ومراكز النفوذ كلمة أحمد إبراهيم، الأمين الأول لحركة التجديد

في الندوة الوطنية حول التشغيل والقرار، ووضع حدّ للتجارة الموازية التي تقوم على الاستيراد غير القانوني لعديد السّلع التي تنافس منافسة غير شريفة منتوجات المستثمرين الوطنيين، وحماية أملاك الناس من نهم البعض عبر عدالة مستقلّة وإدخال إصلاحات ذات بال على القطاع البنكي في اتجاه التخفيض من نسبة الفائض taux d’intérêt الذي هو في تونس يساوي أو يفوق ضعف المعمول به في بلدان أخرى، وهذا ما يستوجب إيجاد حلّ جديّ لمسألة الدّيون غير المسدّدة التي مازالت نسبتها (حوالي 20%) هي من أعلى النسب في العالم... والحل في هذه المسألة ينبغي أن ينطلق من الإقرار بأن هناك مفارقة غير مقبولة وهي مفارقة خصخصة الربح Privatisation des profits من ناحية وتعميم الخسارة Socialisation des pertes من ناحية أخرى.

فليس من العدل في شيء أن يتحمل أصحاب القروض النزهاء أعباء تهرّب قلّة محظوظة من واجب تسديد ديونها...

- ثانيا فيما يتعلق بنوعيّة الاستثمار، الشيء السلبي هو أنه متجه في تونس إلى قطاعات ذات قيمة إضافية ضعيفة وبالتالي ذات قدرة تنافسيّة ضعيفة، وهذا (كما سبق أن قلت في المجلس الأعلى للتنمية) يبرز في صادراتنا التي تكاد تقتصر على سلع تنتمي إلى قطاعات هي في تقهقر من ناحية الطّلب في السوق العالمية... هل الحلول التي تمت تجربتها إلى الآن حلول ناجعة؟؟ الجواب على هذا السؤال يبدو لي أنه جواب سلبي نظرا إلى أن النّمط المتّبع خاصة فيما يتعلق بنوعيّة الشغل قد بقي هو هو تقريبا منذ بداية السبعينات. وما من شك في أن هنالك حاجة ملحّة إلى سياسة واستراتيجيا جديدة في مجال التصنيع، سياسة تلعب فيها الدولة دورا مركزيّا ودورا دافعا في تكامل مع القطاع الخاص ومع الجامعة ومع البحث العلمي والتكنولوجي...

هذا يؤدي بي إلى التأكيد على المتعلقة بمركزيّة الرأس مال البشري وفي هذا الصدد يمكن الانطلاق من تشخيص الواقع كما هو والوعي بظاهرة هامة جدا وهي : عدم تمكّن الشباب من الكفاءات الأساسية بحكم المردودية السيئة لمنظومة التربية والتكوين، الشيء الذي يجعل قرابة ثلثي الشبّان التونسيين أقرب إلى l’illettrisme من متطلبات الكفاءة الدنيا في الاقتصاد المعولم. هنا لا بدّ من وقفة حازمة من أجل "إنقاذ وطني" إن صحّ التعبير بإنقاذ الرأسمال البشري عبر هبة وطنيّة تعبّئ المدرسين والطلبة والتلاميذ وعائلاتهم وتعبّئ الدولة بعيدا عن المكبلات البيروقراطية لإخراج منظومة التربية والتكوين والتعليم العالي من وضع التردي التي هي عليه... وفي نظرنا أنّ هذه المسألة لم تعد تحتمل مزيد التأجيل هذه الضرورة الملحّة لإصلاح جذري في نظام التربية والتكوين والتعليم العالي لتجاوز القطيعة بين هذه المنظومة ومتطلبات التنمية والحاجيات الحقيقية لسوق الشغل هذه الضرورة تجرني إلى ملاحظتي الثالثة وهي تتعلّق بمسألة سوق الشغل.

- سوق الشغل لا تشكو فقط من هذه القطيعة بين العرض والطلب بسبب القطيعة الموجودة بين الجامعة وحاجيات البلاد، بل هي تشكو أيضا من غياب الإعلام الكافي وقلّة التحاليل الكافية لملامح وتوجهات وحاجيات هذه السّوق والتعتيم على تلك التحاليل إذا ما وجدت...

لذلك وجب إيجاد حلّ لمسألة غياب الشفافية هذه لما لها من عواقب خطيرة على وضوح الرؤية وبالتالي على توجيه التلاميذ والطلبة نحو الاختصاصات ذات التشغيلية الكبيرة والواعدة.

من ناحية أخرى إن وجود وكالة وطنية للتشغيل من المفروض أن يسمح بمعاملة طالبي الشغل معاملة ناجعة وعادلة ولكنها تشكو من خلل واضح ولا تقوم بدورها كما يجب، مما يفتح الباب أمام ظاهرة التدخّلات والأكتاف والمحسوبيّة وغيرها، ويساهم بالتالي في إعادة إنتاج بل في تفاقم ظواهر الحيف الاجتماعي والجهوي... وحتى وجود سياسة تشجيع لإدماج حاملي الشهادات العليا في سوق الشغل لا يستعمل طبقا لمبادئ الإنصاف حيث تدل بعض التحقيقات أن الـ 4/3 من المتمتعين بتلك التشجيعات هم من قطاعات "نبيلة" كالطبّ والصيدلة والهندسة، في حين أن من هم في أشدّ حاجة إلى المساعدة على الاندماج لا يكادون يحظون حتى بأقل من 4/1 تلك المساعدات! وباختصار هنالك حاجة ماسّة إلى إعادة النظر جذريا في سوق الشغل وفي سياسة إدماج حاملي الشهادات العليا باعتماد مقاييس عادلة وشفافة، وبالتعويل على التحاور مع المعنيين بعد إعطائهم إمكانية التّنظم المستقل للدفاع عن حقهم المشروع في تكافؤ الفرص أمام سوق الشغل مهما كانت شحيحة في الوقت الحاضر.

وبصفة عامة، ثمّة حاجة إلى نظرة شاملة لمسألة الحوار الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية بحيث تكون الأهداف الوطنية المشتركة فوق مصالح الفئات ولا سيما المصالح الطبقيّة الضيقة لبعض الأثرياء الجدد، ولا تطلب التضحيات من الأجراء والشغالين والفئات الضعيفة فقط ، بل تضمن حقوق العمال ومكتسباتهم وشروط العمل اللائق، عبر الحوار الاجتماعي الذي يحترم الحق النقابي لجميع الأطراف الاجتماعية.

- النقطة الرابعة (التي سأتعرض إليها بعجالة رغم أهميتها القصوى) هي مسألة تكافؤ فرص التنمية ومقوّمات التقدم والعيش الكريم بين كل جهات الجمهورية. هناك ضرورة ملحة لتجاوز الوضع الحالي، وضع une Tunisie à deux vitesses لا بدّ في هذا المضمار من منعرج حقيقي يعتبر الجهات الداخلية المهمّشة في غرب البلاد جنوبا وشمالا، جهات "منكوبة" بسبب الطابع المزمن والهيكلي لانعدام التوازن وهذا ما يفترض نوعا ما من الـ Plan Marshall خاص بهذه الجهات، مخطط تنموي جريء تلعب فيه الدولة دورا استراتيجيا، ولنا في حركة التجديد مقترحات نريد تقديمها في إطار حوار وطني ديمقراطي، وسأكتفي هنا بالقول بأن هذا المخطط التنموي الجريء يجب أن ينطلق من مثال جديد للتهيئة الترابية يعوّض المثال المعمول به منذ النصف الثاني من التسعينيات، ويسمح بإخراج المناطق الداخلية من عزلتها وبانتشالها جديّا من التخلف وظواهر الحيف الاجتماعي.

- وآتي الآن إلى النقطة الخامسة في مداخلتي وهي دور العامل السياسي، أي ليس فقط الدور الاستراتيجي الذي يجب أن تضطلع به الدولة في معالجة كل مواطن الضعف التي تعرضت إليها وتعزيز مواطن القوّة الموجودة في اقتصادنا وفي طاقات شعبنا، بل أيضا وبالخصوص المناخ السياسي العام الذي هو في حاجة ملحة إلى إصلاح جوهري يعتمد التعدّدية فعلا لا قولا، ويعتمد الديمقراطية لا كشعار بل كممارسة، ذلك أن قضيّة التشغيل ليست مسألة تقنيّة بحتة يتناولها أخصائيون، بل هي مسألة سياسية بالأساس تفترض تعبئة الطاقات الوطنية على أساس الاقتناع الذي يخلق الحماس، والاقتناع لا يمكن أن يحصل إلاّ على أساس الحريّة وممارسة المواطنة وحق الجميع في المساهمة الفعّالة في رسم الاختيارات ومتابعة تنفيذها في إطار حوار وطني متواصل يخرج من حدود القاعات المغلقة ويعم جميع الفضاءات ولا سيما في وسائل الإعلام الوطنية من إذاعة وتلفزة وصحف...وفي هذا الصّدد نحن نعتقد أن المصلحة الوطنية تستوجب الإقلاع عن " التطيّر من الرأي المخالف" ومحاصرته في مربعات ضيّقة، وفتح المجال أمام كل القوى الوطنية كل الأحزاب، كل النقابات، كل مكوّنات المجتمع المدني لتشارك في المجهود الوطني وتعرّف بمقترحاتها وتحاليلها...

فالحوار الوطني في أمهات القضايا بما فيها قضية التشغيل ضرورة متأكّدة. والحوار لا يقوم إلا على أساس إقرار الانفراج في المناخ السياسي والاجتماعي العام وفي هذا الصّدد أودّ أن أؤكد اقتناعنا في حركة التجديد بأن إجراء من قبيل إطلاق سراح الموقوفين على خلفية التحركات المطلبية التي عرفها الحوض المنجمي وإحلال التحاور مع أهالي تلك المنطقة محل التوترّ، إن إجراء كهذا من شأنه أن يساعد على توفير ظروف أنسب لنجاح هذا الحوار الوطني الذي ندعو إليه ولاكتساب الاستشارات الوطنية ومن ضمنها الاستشارة حول التشغيل درجة أعلى من المصداقية ومن القدرة على أن تكون حافزا حقيقيا للهمم الوطنية كافّة حتى تتظافر جهودنا جميعا من أجل قطع شوط حاسم على طريق القضاء على البطالة.
وعلى كل فحال نحن في حركة التجديد نريد وبنزاهة تامة وبكامل المسؤولية أن نكون طرفا في إنجاح استشارة كهذه وأملي أن تكون هذه النّدوة مناسبة للشروع في نمط جديد من التحاور والتشاور خدمة لأهدافنا الوطنية المشتركة، بعيدا عن كل نوع من أنواع التوظيف السياسوي أو الانتخابوي مهما كان مأتاه.

ومما يبعث على التفاؤل هو وجود التقاء حقيقي حول تشخيص المشاكل، وحتى حول الكثير من سبل حلّها، فلتكن أشغال هذه الندوة في مستوى طموحنا جميعا ولتكن منطلقا لأسلوب جديد في التعامل فيما بيننا، أسلوب الحوار الديمقراطي البنّاء خدمة لتقدم تونس ورقيها وسعادة شعبها. فالبطالة ليست قدرا محتوما وحتى إذا أرادت أن تكون كذلك فلنا في قول الشابي مصدر ثقة في المستقبل لأننا ندرك انه :

[rouge]" إذا الشعب يوما أراد الحياة

فلا بدّ أن يستجيب القدر![/rouge]"

فتمنياتي للندوة بالنجاح

والسلام عليكم

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose