attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > الطريق الثقافي > البقرة

البقرة

الأربعاء 6 حزيران (يونيو) 2012

الصّحبي الوهايبي

في تصريح لإحدى الإذاعات حول المحلاّت التي هاجمها بعضهم وعاثوا فيها تكسيرا وتخريبا، استنكف وزير الدّاخليّة أن يسمّيَ الحانةَ حانة، فقال في تعفّف بالغَ فيه وأفرطَ:"وقعت الأحداث في أماكن لا فائدة من ذكرها"؛ كأنّ الوزير كره أن يدنّس اللّفظ لسانَه؛ وليس غير الكذب يدنّس اللّسان؛ ولا أدري كيف له أن يقرأ القرآن، سرّا أو جهرا، وقد ورد في الكتاب ذكر الخمر ستّ مرّات، فهل دنّس ذاك اللّفظ ذاك الكتاب؟ وهل من نَطَقَ لفظ الخمر كَمَنْ شرِبها؟ وهل من نطق لفظ السّرقة كَمَنْ اختلس؟

... لم يكن الفتى عمّار يتصوّر أنّ أباه قد يكشف يوماً سرّه أو يهتك ستره؛ حتّى فاجأه يمزّ من قنّينة خمر؛ ولم يرْغ الأب ولم يزبد، ولم يغضب، أو هو كظم غيضه، وإنّما انتحى بولده ركنا قصيّا في الحديقة، وبين أصابعه كَأْسان، صبّ في الأولى ماءً، وفي الثّانية خمرا؛ ثمّ نبش في التّربة الرّطبة، فاستخرج دودتين مكتنزتين، وألقى بواحدة في هذه، وبالأخرى في تلك؛ فأمّا الدّودة التي استقرّت في الماء، فقد انطلقت تتمطّى حيّة تسعى؛ وأمّا التي سقطت في الخمر، فقد انكمشت، ثمّ أسلمت الرّوح وغاصت في قاع الكأس، ثمّ طفت؛ والتفت الأب إلى ابنه مزهوّا:"هاي، يا عمّار، ماذا تستخلص من هذا الدّرس؟" وردّ الفتى مزهوّا مثل أبيه:"الخمر تقتل الدّود في الأمعاء!".

وأمّا أعجب درس سمعتُ، فكانت خلاصته:"العلم نُور، والنّور كهرباء، والكهرباء خطر؛ فما فائدة العلم إذًا؟"... فلاّح عجوز، في سوق الدّواب، يحاول جاهدا أن يبيع بقرة شاحبة، عجفاء، بمائتي دينار؛ ولكنّ زوّار السّوق أعرضوا عنها، فهي نحيفة، يكاد عظمها ينتأ من تحت جلدها؛ حتّى دنا منه أحدهم يعرض عليه أمرا:"أيّها العجوز، أنت لا تعرف فنّ البيع؛ دعني أبيعها بألفيْ دينار، لك ألْفٌ، ولي مثلها"، فتردّد العجوز، وأحجم ثمّ أقدم؛ وانطلق الرّجل يرفع صوته في النّاس ويعدّد مآثر البقرة:"هذه البقرة نتاج سنوات من البحث والتّجارب، في مخابر باريس ولندن. هذه آخر صيحة في علم الجينات"؛ وبدأ الزّوّار ينصتون، مبالين وغير مبالين، ثمّ اقتربوا؛ "لا يغرّنّكم شحوبها وهزالها، فذلك أمر مقدّر بعلم وحساب؛ هذه ليست بقرةَ لَبَنٍ أو لحم، ولكنّها بقرة ولود، تضع كلّ شهر عجلين اثنين، وربّما ثلاثة، إذا كان الفحل فحلا"؛ وبدأ النّاس يزايدون:"خمسمائة دينار... ستّمائة دينار... ثمانمائة دينار... ألف دينار... ألفان؛ "هذا النّوع من الأبقار يعيش مائة سنة، وأكثر، ويقنع بالقليل من العلف"... ثلاثة آلاف... أربعة آلاف... خمسة آلاف!"؛ وانحنى الرّجل يهمس في أذن العجوز:"هل نبيع يا بابا؟"؛ وحرن العجوز واستعصى وأَبَى؛ "لماذا؟ لماذا غيّرت رأيك أيّها العجوز؟"... "هه! هل تريد أن أبيع بقرة بمثل هذه المزايا، بثمن كهذا؟ أفضّل أن أحتفظ ببقرتي، على أن أفرّط فيها بهذا الثّمن!"... كذلك تأبى الحكومة أن تفرّط في كثير من وزرائها. وزراء الحكومة مثل بقرة بابا.
... قرية كانت تقتات من السّياحة وريعها، فضربتها الأزمة وهجرها السّيّاح زمنا طويلا واشتدّ ضنك النّاس فتداينوا واقترضوا وباعوا عفش البيت بأبخس الأسوام؛ حتّى حلّ اليوم الموعود وهلّ سائح وحيد كان بشيرَ خير فحجز لنفسه غرفة في نزل القرية ودفع ألف "يورو" تسبقة تلقّفها صاحب النّزل وجرى إلى الجزّار يؤدّي دينا قديما؛ وجرى الجزّار بالألف "يورو" إلى مربّي الأبقار يؤدّي مخلّفات دين؛ وجرى مربّي الأبقار إلى بائع العلف يؤدّي دينا عليه؛ وتذكّر بائع العلف أنّ في رقبته دينا بألف يورو لصاحب النّزل وقد أقام حفل ختان ابنه في صالته الفخمة، فجرى إليه يبرئ ذمّته ووضع أمامه على المصرف الورقات النّقديّة؛ وكان السّائح نازلا من غرفته غاضبا حانقا لأنّ الغرفة لم تعجبه فتلقّف الورقات وانصرف. وهكذا انفرجت أزمة القرية وأدّى كلّ ساكن دَيْنه دون أن يُهدر ملّيم واحد وبات أهلها شبعانين ريّانين هانئين وكلّ عام وهذه البلاد العجيبة واقتصادها بألف خير.

... حلواني بخيل، شحيح، يقول لصغيره:"اسمع يا ولدي، لا تفسدْ علينا البيع والشّراء؛ اِلْحَسْ من كلِّ حبّة حلوى لحْسةً واحدة، ثمّ لفّها في غلافها وأعدها إلى مكانها، نبيعها"... كذلك يطوف وزراؤنا في شرق البلاد وغربها بصرّة مشاريع، لحسة واحدة لكلّ مدينة.

... دجاجة سقطت في بئر عميقة فقفز في إثرها فتىً يافع يحاول إنقاذها، ولحقت به أخته، ثمّ أخواهما وكانوا جميعا لا يجيدون الغوص والسّباحة، فهبّ لإنقاذهم جاران شهمان لا يجيدان السّباحة أيضا. وعندما حلّ أعوان الحماية المدنيّة بموقع الحادثة على جناح السّرعة، بعد يومين ونيف، ولهم في ذلك عذرهم فالمسالك هناك وعرة لم تطأها قدم منذ عهد الرّومان، أخرجوا الجثامين الستّة؛ وكان في انتظارهم مفاجأة سعيدة أنْسَتِ الأهل حزنهم على شهدائهم، فقد قفزت الدّجاجة حيّة في تمام عافيتها ثمّ ركنت تضع بيضتها، وكانت الفرحة مضاعفة. لم يذهب دم الشّهداء هدرا.

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose