attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > شؤون وطنية > التخفيض في الترقيم السيادي لتونس بين العجز الحكومي و قصر النّظر "الثّورجي"

التخفيض في الترقيم السيادي لتونس بين العجز الحكومي و قصر النّظر "الثّورجي"

الأربعاء 6 حزيران (يونيو) 2012

بكار غريب 

إن تخفيض الترقيم السيادي لتونس من طرف وكالة الترقيم "ستاندرد اند بورس" يعتبر فعلاً خبراً سيئا وذلك للانعكاسات المباشرة الذي يحملها على إقتصاد بلادنا، خاصةً وأنه أدى هذه المرة إلى تقهقر تصنيف تونس من "فئة الإستثمار" إلى "فئة المضاربة" وهو تصنيف لم تعرفه بلادنا منذ أول ترقيم لها سنة 1997! وهو ما سيؤدي مباشرة أولاً إلى ارتفاع ثمن قروضنا في الأسواق المالية العالمية وثانياً إلى تراجع الاستثمارات المباشرة في ربوعنا، خاصة وأن تعليل وكالة الترقيم لتنزيل الإقتصاد التونسي إلى "فئة المضاربة" (مما يوحي بأن إقراض الدولة التونسية فيه جزء هام من المخاطرة) مبني أساساً على تقييم أداء الحكومة الحالية التي اعتبرت الوكالة أنها عاجزة عن تدارك الأمر والنهوض بإقتصاد البلاد.

وتجدر الإشارة هنا بأن هذا الحكم يستند إلى ما لاحظه مبعوثو الوكالة من عدم سيطرة المسؤولين على أهم الملفات ومن عدم وضوح الرؤية لدى المسؤلين الجدد في شتى الوزارات. وهو ما يؤكد مع الأسف ما لاحظه بعض الاخصائيين من قلة خبرتهم في التعامل مع شركائنا في العالم وخاصة في ما يتعلق بملف القروض، وهو ما يؤكّد ما حصل بعد من إنطباع للمواطن العادي حول غياب الكفاءة في مجابهة القضايا الإقتصادية ذات الإنعكاس المباشر على حياته اليومية. وقد جاءت أهم ردود الفعل على هذا الخبر الباعث على القلق، من طرف الحكومة وانصارها من جهة، ومن طرف ما يمكن تسميته بالتيار الثورجي من جهة أخرى، لتؤكّد على المفارقة التي تجعل في بعض الأحيان من جزء من اليسار الراديكالي المعارض حليفاً موضوعياً للحكومة اليمينية المحافظة.

فأما من جهة الحكومة وانصارها، فقد جوبه هذا الخبر في الآن نفسه بمحاولة تضليلية للرأي العام والبحث عن كبش فداء. أما المحاولة التضليلية فهي تكمن من جهة في الإيحاء بأن التخفيض في الترقيم السيادي لتونس لا يعزى إلى الأداء الضعيف والمهزوز للحكومة بقدر ما يعزى إلى ضعف في السياسة النقدية التي يديرها البنك المركزي، ومن جهة أخرى في الترويج لفكرة أن السبب الرئيسي للتخفيض يكمن في نمو عجز الميزانية الذي يصاحب عادة كل سياسة إنعاش إقتصادي. أما عن محاولة التنصل من المسؤولية والصاقها بالبنك المركزي للتخلص في نفس الوقت من محافظه، فهذا خيار كان يمثل هروباً إلى الأمام قد يعمق أزمة الثقة ويحرم البلاد مما تبقى لها من ممثلين للكفاءة والصرامة في تسير الشأن الإقتصادي بشهادة الجميع. لكن يبدو، والحمد لله أنه، تم العدول في الآونة عن هذا التمشي الذي كان في رأي البعض قد يريح الترويكا من حاجز يحول دون مسكها المطلق بزمام كل دواليب السياسة الإقتصادية. ويبدو أن الحكومة، من خلال الجلسة التي جمعت مؤخراً رئيس الحكومة ووزير المالية بمحافظ البنك المركزي، نزلت من عليائها واقتنعت بضرورة الإنصات إلى أصحاب الكفاءة في علاقة بهذه القضايا بغية الحد من الهفوات.

أما عن ربط التخفيض بإعتماد سياسة إنعاش إقتصادي، فهذا يفترض أن للحكومة رؤية واضحة للوضع الإقتصادي الراهن ولسبل النهوض به وهو بالتحديد ما يعوزها حسب تقرير "ستاندرد اند بورس" وكذلك حسب رأي أغلب الملاحظين.

دعم غير منتظر

والجدير بالملاحظة أن في رد الفعل السياسي على هذا المعطى الجديد الذي أبرز غياب الكفاءة الاقتصادية لدى الحكومة، أن هذه الأخيرة قد حظيت بدعم غير منتظر من طرف جزء من "اليسار الراديكالي". فلم يذهب هذا الأخير إلى التعمق في الأسباب الموضوعية للتخفيض في الترقيم السيادي لتونس، بل فضل صبّ جام غضبه على كل وكالات الترقيم العالمية "المتسببة في معاناة الشعوب في العالم"، والتقليل من شأن الصعوبة المتزايدة لعملية الاقتراض بالعودة إلى المطالبة بعدم تسديد الديون التونسسية والتهجم على محافظ البنك المركزي بصفته لبرالياً تورط لما كان يشغل خطة هامة بالبنك العالمي في "تجويع شعوب العالم الثالث" إلخ... إن مثل هذه المقولات تستدعي الملاحظات التالية: إن تخفيض الترقيم السيادي لتونس لا يرتكز على توخيها سياسة إقتصادية ذات توجه يساري منحاز للطبقات الضعيفة بل على غياب الكفاءة والرؤية الواضحة لدى الحكومة المؤقتة، كما أن نية تخلص الحكومة من السيد كمال النابلي لا تبررها "توجهاته الليبرالية" بل اعتبار وجوده في تلك المنصب قد يحول دون التطبيق الأعمى لقراراتها في الشأن النقدي والمالي. إن هذه المقولات تذكرنا بأن التعامل الايديولوجي البحت مع قضايا الساعة قد يؤدي إلى اخطاء في تحديد الهدف السياسي بمد يد المساعدة من حيث لا نعلم إلى الخصوم السياسيين. وهذا قصر نظر سياسي بأتم معنى الكلمة! فهل يخفى على الحاملين للفكر اليساري أن الترويكا تنتهج اليوم نفس السياسة الاقتصادية للنظام السابق، مع فرق يكمن في غياب الكفاءة في تطبيقها.

هذا ما يؤكد مرة أخرى أن مقترح حركة التجديد غداة الانتخابات، بأن تكون الحكومة حكومة كفاءات وطنية بقطع النظر عن الانتماءات والمحاصصات الحزبية لإدارة شؤون البلاد تحت رقابة المجلس التأسيسي حتى يتفرغ هذا الأخير أساساً لتحرير الدستور، كان الخيار الأكثر صواباً والعمل به كان من شأنه أن يجنّبنا عدة مخاطر ومنزلقات.
أما عن ابتكار سياسة اقتصادية جديدة تتجاوز نقائص الخيارات القديمة وما خلفته من حيف بين الفئات والجهات ومن بطالة شملت جزءًا هاماً من شبابنا خاصةً حاملي الشهادات، فهذا يستدعي مجهوداً جباراً يشارك فيه خيرة اقتصاديينا وسياسيينا ونقابيينا. إن بلورة مشروع اقتصادي واجتماعي جديد يستجيب لأهم مطالب الثورة ليس بالأمر الهين، ولا يجوز أن يكون مجرد ترديد لشعارات رنّانة دون محتوى عملي.

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose