attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > شؤون وطنية > خفض الترقيم السّيادي للدّيون التّونسية: ما وراء الزّوبعة وما بعدها: التقرير عرّى مواطن (...)

خفض الترقيم السّيادي للدّيون التّونسية: ما وراء الزّوبعة وما بعدها: التقرير عرّى مواطن الخلل في مؤسّسات الحوار والقرار السياسي والاقتصادي

الأربعاء 6 حزيران (يونيو) 2012


سنية النقاش

أستاذة الاقتصاد بجامعة تونس المنار

تعيش بلادنا منذ أسبوعين على وقع احتقان متصاعد على المستوى الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لعلّه بلغ ذروته إثر صدور قرار وكالة الترقيم السيادي "ستاندرد أند بورز" يوم 23 ماي بالتخفيض في مؤشر المخاطرة المتعلق بالديون التونسية إلى مستوى يصنّف عمليّة الإقراض لبلادنا كنوع من المضاربة أردفته هذه الوكالة بتقييم استشرافي سلبي لعمل الحكومة وللمناخ السياسي بالبلاد. ذلك أن التقرير يخلص إلى أن الحكومة غير قادرة على استعادة عافية الاقتصاد الوطني وأن المناخ السياسي يتسم بالغموض على المدى المتوسط إلى حين المصادقة على الدستور وتنظيم الانتخابات قبل منتصف ماي 2013.

ويتنزل اعتماد الترقيم السيادي في نطاق عولمة الأنظمة المالية التي تسمح بتنقل رأس المال بحريّة بين الأسواق العالمية وفق منطق المعادلة بين الربح والمخاطرة وذلك بغية التوظيف الأمثل لأموال المدّخرين والمضاربين من أشخاص ماديين وحكومات ومؤسسات بنكية وصناديق التوظيف المالي المختلفة... ولضمان سلامة توظيف الأموال وتدقيق حساب المخاطرة فإن المواد المالية المقترحة في الأسواق على المستثمرين لابد أن تحمل ما يدل على نوعيتها كما يحمل أي منتوج صناعي نبذة عن مواصفاته وذلك بغية ضمان شفافية المعاملات. ويتمثل دور الترقيم السيادي في إعطاء المستثمر صورة مختزلة عن قدرة المدينين على تسديد ديونهم. ويتحدّد وفق الرقم السيادي, الذي تمنحه وكالات مختصة للمدينين, سعر الفائدة الموظف على ديونهم ودرجة إقبال مؤسسات توظيف الأموال على إقراضهم.

وبالتالي فإن أي تخفيض في الترقيم السيادي لديون دولة ما يعني ازدياد المخاطرة عند إقراضها المال وهو ما يعرّضها إلى تسديد فوائد أعلى ويقلّل من فرص الاقتراض أمامها. وبالرغم من أن تداعيات هذا الجانب محدودة في وضع الاقتصاد التونسي اليوم, الذي لا يتوجه للأسواق المالية إلا بنسبة 20 بالمائة من الديون, فإن لتخفيض الترقيم بعدا آخر يتمثل في تشويش صورة الوجهة التونسية لدى المستثمرين المباشرين وبعث إشارات غير مطمئنة بخصوص استقرار السياسات الاقتصادية واستمرار الخيارات الحالية. ذلك أن احتمال حدوث صعوبات اقتصادية يزيد من إمكانية التراجع ولو ظرفيا في بعض التوجهات مثل الرفع في الرسوم القمرقية أو إعادة العمل بحصص الاستيراد.

ولقد رافق صدور تقرير "ستاندرد أند بورز" تجاذب سياسي شديد في وسائل الإعلام اعتمد على تقييم متباين لجديّة الترقيم السّيادي ومدى تداعياته على الوضع الاقتصادي وتحديد المسؤولية في تدهوره. وقد تراوحت التجاذب بين الأخذ بالتقرير والاستدلال به على تدهور الوضع الاقتصادي والخشية من تبعاته وتحميل الحكومة المسؤولية في ذلك والمطالبة بتصحيح المسارين السياسي والاقتصادي لإنقاذ البلاد من دوامة محتملة وبين الحطّ من أهمية تقرير "ستاندرد أند بورز" بالقول بتغيّر الأوضاع نحو الأحسن والتقليل من تداعيات الترقيم الجديد والإشارة إلى أن عدم "تناغم" السياسة النقدية مع متطلبات سياسة الماليّة العمومية وانعدام التشاور بين رئيس الحكومة ومحافظ البنك المركزي هما السبب في تعثر الاقتصاد في هذه المرحلة.

ولسائل أن يسأل عن رهانات هذا الحدث التي تبرّر كل هذا التباين والجدل. ويمكن تلخيص رهانات هذا التجاذب في ما يلي:

- 1. محاولة الحكومة استثمار الحدث سياسيا بشكل مزدوج يتمثل في الخروج من أزمتها الكامنة مع البنك المركزي من ناحية وفي الفوز من ناحية أخرى بكبش فداء تنفّس به عن الضغط المسلط عليها والذي لم يزده قرار وكالة "ستاندرد أند بورز" إلاّ حدّة.

أما الناحية الأولى فهي أزمة الحكومة مع محافظ البنك المركزي الحالي والتي تعود إلى فترة التصويت على القانون المؤقت لتنظيم السّلط العمومية ونذكر أن البنك المركزي تمسّك بمبدأ استقلاليته عن السلطة التنفيذية وقد قبلت الأغلبية الحاكمة بذلك على مضض وهي تمنّي النفس باستبدال المحافظ في قادم الأيام حتى يتسنّى لها نسف الاستقلالية على أرض الواقع دون المساس صراحة بالنص. وتعزى هذه الرغبة إلى أن حجم الانتظارات الشعبية وجسامة الموارد التي تستدعيها جعلت الحكومة تتصور أن تمويلها عبر التضخم المالي قد يخفف الضغط على التّداين وأنّ ذلك يسهل مع محافظ مركزي متغاض عن هدف استقرار الأسعار وعن تبعات التضخم على المدّخرين ورؤوس الأموال وسعر الدينار وتنافسية الاقتصاد.

أمّا الناحية الثانية, فتتنزّل في الظرف شديد الاحتقان الذي تعيشه البلاد والذي يسلّط ضغطا غير مسبوق على الحكومة ويهدّد بتفكك مؤسسات الدولة. ويتمثل هذا الظرف في تنامي مظاهر التطرف الديني واتساع دائرة العنف والتخريب واستهداف الحريات الشخصية ومؤسسات الدولة والمرافق العامة من محاكم ومدارس ومستشفيات وتنظّم شبكات التهريب وتحسّب الدول الأجنبية من مآل الأمور في بلادنا وتحذير مواطنيها من القدوم إلينا وتعطّل إصلاح المنظومة الأمنية وظهور بوادر تململ شديد في صفوف الأمنيين جرّاء تهاون السّلط الأمنية العليا في التعاطي مع هذه الظواهر الخطيرة وتعطّل مسار إصلاح الإعلام واشتداد التوتر بين الحكومة والقضاة والتلويح بالإضرابات الاحتجاجية في الجهات المحرومة وخيبة الأمل المتزايدة لدى عموم الناس إزاء مردود مؤسسة المجلس التأسيسي وكلفتها المالية والتزامها بإنهاء مهامّها في الآجال المطلوبة وتحديد تاريخ الانتخابات وتشكيل الهيأة المنظمة لها.
ويستشفّ من كل مظاهر الاحتقان هذه أن إخلالات ألمّت بمؤسسات الدولة التي تؤمّن معاش المواطن وسلامة ممتلكاته وديمومة الدورة الاقتصادية. ولعلّ أكثر المؤشرات بيانا على أن المشكل هو بالأساس ارتباك مؤسسات الدولة جرّاء قصور رؤوس السلطة في تصوّر مشترك وسليم لمسؤولياتهم وصلاحياتهم, هو النقد شديد اللهجة وشهادة الفشل الذّريع التي طالت الحكومة من طرف مؤسسة رئاسة الجمهورية في خصوص ملفات القضاء والاقتصاد ونسق الإصلاح عموما. ولعلّه من السخرية الإشارة أن تصرّف مؤسسة رئاسة الجمهورية وتداخل الصلاحيات الذي شهدناه والأحداث التي عاشتها بعض الولايات خلال الأسبوع المنقضي تكفي وحدها لتصديق التقييم الإستشرافي السيئ الذي قدمته الوكالة عن مستقبل المناخ السياسي ببلادنا.

إزاء مثل هذه الضغوط يبدو أن الحكومة ارتأت في مرحلة أولى التخلّي عن محافظ البنك المركزي لضرب عصفورين بحجر واحد كما أسلفنا, أي التحرر من "قيد" الاستقلالية الذي فرضه المحافظ الحالي وتحميله مسؤولية الصعوبات الحالية كما ألمح وصرّح بذلك مستشارو الحكومة في خطاب تقني لا مبرر له إلا صرف النظر عن المبررات السياسية بتعقيدات تقنية لا يفقهها العامة.

وقد تكون صعوبة إيجاد بديل في قامة السيد النابلي وسمعته من ناحية والخشية من أن يتسبب رحيله في مزيد تخفيض الترقيم السيادي من ناحية أخرى هو ما يفسّر "الهدنة" الغامضة التي أعلنت صباح الاثنين الماضي بين رئاسة الحكومة والبنك المركزي. هدنة تجعل السيد النابلي يلتحق بالثالوث الرئاسي ليصبح بدوره "محافظا مؤقتا" في خطوة قد يكون القصد منها إضعافه أمام المهام العاجلة الموكولة إليه ألا وهي القيام بإصلاحات هيكلية نوّهت وكالة "ستاندرد أند بورز" بالإسراع في وتيرتها. ويكون بالتالي أي تعثر لأجندة الإصلاح تعلّة لإقالة السيد النابلي تتحقق بها رغبة الحكومة وتمتثل ظاهريا لمقتضيات التقرير وتقي الحكومة شر تخفيض سيادي آخر قد يكون توقيته "قاتلا" بالنظر إلى الاستحقاق الانتخابي.

- 2. أما الرّهان الثاني لهذا التجاذب فهو سعي معارضي الحكومة إلى استغلال هذا التقييم السلبي من طرف وكالة أجنبية ذات مصداقية للاستدلال على فشل التوجهات الاقتصادية وخطورة الاستمرار فيها ومساوئ الغموض السياسي الراهن وضرورة تصحيح مسار الانتقال الديمقراطي الراكد.

أن اعتماد معارضي الحكومة على تقييم "ستاندرد أند بورز" لا يعكس بالضرورة قناعة بوجاهة التوجهات الاقتصادية الليبرالية التي تمثل مرجعية أسواق المال وإنما دليلا على أن المنحى التحرري للسياسة الاقتصادية الذي كرّسته ميزانية الدولة التكميلية لا يستجيب حتى لانتظارات أتباع الليبرالية. ونذكر أن المعارضة الممثلة في المجلس التأسيسي لم تفلح في التأثير في الميزانية التكميلية بشكل فاعل أو ملموس ولم تر فيها إلا تكريسا لخيارات الماضي دون الإيفاء بمقتضيات المرحلة من تنمية وتوازن جهويين وليس أدلّ على ذلك من تصاعد الاحتجاج بعديد ولايات الشمال الغربي على نقص المجهود التنموي الموجه إليها.

كما شدد معارضو الحكومة على التبعات المرتقبة للتقييم الاستشرافي السلبي بخصوص كفاءة الحكومة في إدارة الشأن الاقتصادي وغموض الوضع السياسي. وما زادتهم التطورات الخطيرة في الأوضاع الأمنية واللّخبطة المؤسسية المشار إليها آنفا إلا قناعة أن التقييم الكيفي للوضع السياسي لا يحتاج إلى مزيد براهين على ضرورة وقف النزيف. وخلصوا إلى أن الوقاية من مزيد تردّي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ومن صدور قرارات تخفيض أخرى من بقية وكالات التصنيف يقتضي إعادة النظر في تشكيلة الحكومة من ناحية والحسم في النواحي الأمنية وفي ملفات القضاء والإعلام والاتفاق على خارطة طريق مع المجلس التأسيسي وتحديد المواعيد الانتخابية لتوضيح الرؤية لجميع الفاعلين في الاقتصاد والسياسة.

نستنتج من الرهانات التي حللنا جوانب منها أن الجدل الحاد الذي حصل حول تقييم "ستاندرد أند بورز" لم يبرره عظم تأثير هذا التقرير على الاقتصاد التونسي بقدر تعريته لمواطن الخلل في مؤسسات الحوار والقرار السياسي والاقتصادي (المجلس التأسيسي, الرئاسة والحكومة) في هذه المرحلة الانتقالية الثانية حيث لم تفلح الشرعية الانتخابية وحدها في تسهيل القرار ولا في ضمان صوابه ولا في الحصول على الإجماع حوله ولا في تخطي الأزمات مثل التي نعيش الآن.

يبدو بعد هذه الزوبعة والبلاغ الذي تلاها من رئاسة الجمهورية أن مؤسسة الرئاسة هي أكثر من "اتعض" من مغبّة المعارضة العلنية لخيارات الحكومة في القانون الحالي لتنظيم السّلط.

أما معارضو الحكومة فإنه بقدر وجاهة تحذيراتهم المتتالية ضد زيغ الحكومة ومماطلتها وتسويفها في معالجة الملفات الكبرى, يبدو من المناسب للممثلين منهم في المجلي التأسيسي على الأقل أن يطوّروا أساليب عملهم باتجاه توحيد المقاربات والتفاعل مع المجتمع المدني للضغط باسمه داخل المجلس و تحسين أداء هذه المؤسسة وصورتها وتجميع القوى والأداء الفعّال.

أما رئاسة الحكومة فستبدي الأيام القادمة إن كانت اقتنعت أن وجود سلطة نقدية مستقلة إزاءها هي ضمان ضد الزيغ الاقتصادي كما وجود معارضة سياسية أمامها هي ضامن ضد الزيغ السلطوي. أما تعامل الحكومة مع الأزمات المتراكمة, التي انفجرت متتالية هذا الأسبوع, بالصمت والتسويف والكرّ والفرّ مثل الإقدام على خطوات استعراضية غير محسوبة ثم العودة إلى الوراء كما هي الحال مع القضاة, فإن كل هذا سيبرهن لا محالة على وجاهة تقييم "ستاندرد أند بورز" بل وينذر برسوخه في أذهان شركائنا الأجانب.

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose