attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > مـنبـر اﻵراء > قانون تجريم التكفير والدفاع عن الحصانة التي لا تقبل الاغتصاب

قانون تجريم التكفير والدفاع عن الحصانة التي لا تقبل الاغتصاب

الاثنين 19 آذار (مارس) 2012

03-03-2012
محمد بن حموده - صفاقس


دعا الرئيس المنصف المرزوقي إلى إصدار قانون "يجرّم التكفير"، معتبرا أن هذا الأسلوب يهدد السلم في البلاد. وقال السيد المرزوقي في بيان أن "استعمال هذا الأسلوب الخطير في التعبير عن الاختلافات الفكرية يمثل تهديدا للسلم بين مواطني البلد الواحد ويبث الفتنة بينهم"، داعياً رئيس المجلس الوطني التأسيسي السيد مصطفى بن جعفر وأعضاء المجلس إلى البت في هذه المسالة عن طريق الإسراع بسن قانون يجرم التكفير ويجعل من يستعمله عرضة للتتبعات القانونية ويحفظ تعايش التونسيين. وعبّر السيد المرزوقي عن انشغاله الشديد بتعمد بعض الأشخاص تكفير الآخرين، مؤكدا "انه ليس من حق أي احد أن يكفر مواطنا آخر بالنظر إلى أن ذلك يمكن أن يشكل مقدمة للعنف وهو أمر مرفوض ومدان".

ومن جهتنا فإننا لا نملك إلا أن تؤيد المقترح الرئاسي وأن نشدد على المجلس التأسيس في الإلحاح على المسارعة بصياغة القانون المطلوب. واللافت للنظر، أنه إذا كانت الثورة قد قامت ليقول التونسيون: "لا خوف بعد اليوم"، فإنّ عودة اللغط بخصوص علاقة الدولة بالمواطنة جعل الخوف الذي أخرجته الثورة من الباب يستفيد من الاجتهادات السلفية ليعود من الشباك. ولذلك نتوجه بإلحاح لرئيس المجلس التأسيسي ولأعضائه الميامين قائلين: "إنّ تجريم التكفير من شأنه اقتلاع الخوف من جذوره وبشكل نهائي."

وفعلا، من شأن صدور قانون تجريم التكفير أن يسمح لكل تونسي بأن يقول: "أنا مواطن على النحو الذي لا يجعلني أدين بالولاء لا للقبيلة ولا للطائفة، ولا حتى للأسرة، ولا لحكمٍ على رأسه فرد، عادل أو غير عادل، ولا لدولة يكون بعض القائمين بها يستمدون سلطانهم من مصدر غير إرادة الشعب المُعبّر عنها تعبيرا حرا. على هذا الأساس تتطابق تونس مع "أهلها"، أي مع كل الذين لهم حق الانتماء لها، لا بوصفها بلدا أو موطنا، بل بوصفها شخصية اعتبارية بالمعنى الذي توصف به "الدولة". إجمالا، يساعد مثل القانون على ترسيخ عناصر مناخ اجتماعي ينجح في زيادة إحساس التونسيين بجماعيتهم؛ وهو ما من شأنه التصدي لتوجه العولمة لمحو المشاعر الوطنية ولعناصر الدولة/الأمة، وليترك المجال لـ "الفوضى الخلاقة" التي أبرز أبطالها "القبيلة" و"الطائفة" و"برميل البترول" الخ.

ولقد أصاب الدكتور عبد السلام المسدي تماما حين جزم قائلا "إنّ حرية الرأي معمار قائم بغيره، هذا الغير هو ببساطة متناهية: الأمن النفسي." وقانون تجريم التكفير هو رافعة مركزية من أجل ضمان هذا الأمن النفسي المنشود ومن أجل حماية تلك الحصانة التي لا تقبل الاغتصاب ، بما أنّ المواطنة هي حالة شعورية سلوكية تملأ وجدان وعقل الفاعل الاجتماعي فتصبح الكياسة سمته الرئيسة ومقوّمه الركني. وبهذا الاعتبار فقد وجب أن يكون الانتماء الوطني انتماء لا وهم فيه حتى لا يكون مصدرا للشعور بالخيبة، وحتى لا يكون منبعا للعنف بل الواجب فيه أن يكون مطابقا للواقع والحقيقة،وهو ما من شأنه أن يسمح، بفضل مكتسبات الربيع العربي، أن يرتفع الفصل القائم عربيا بين التثوير والتنوير.

وللتذكير فإنّ أبو يعرب المرزوقي قد سبق له أن لاحظ أن "التثوير والتنوير المفصولين كانا من نصيب الإسلام العربي البربري الإفريقي (تثوير دون تنوير وتنوير دون تثوير)، وإن الجمع بينهما كان من نصيب الإسلام الفارسي الهندي الآسيوي (تثوير تنويري وتنوير تثويري)".

وبالفعل، ما أحوجنا لتجريم التكفير حتى نجمع فعليا بين التثوير والتنوير، أي بين التحرر من السلطة على الأجساد والتحرر من السلطة على النفوس. والملاحظ أنّ الربيع العربي ترافق منذ أيامه الأولى باتفاق عام (لا يرقى لمستوى إجماع شعبي) حول استقلالية القضاء وحول رفض النظام الرئاسوي وحول حرية التنظم الحزبي والمدني (خاصة).

على أنّ كل هذه المضامين المطلبية لا يمكن لها أن تضع حدا للسلطة على النفوس وإن ساهمت في تقليص السلطة على الأجساد. فكيف السبيل لثوير السلطة على النفوس؟ إن الثورة الثقافية هي البديل الثوري للسلطة العتيقة على النفوس. ولكن ماذا يمكن أن يكون رهان هذه الثورة المذكورة؟ لا رهان لها إلا حرية الضمير، أي حريته في الاستشعار وفي التعاطف أو التباين. ولا معنى لتلك الحرية من دون حرية الإفشاء وحرية البوح وحرية الإصداع بما يحسّ. ذلك أنّ الضمير هو فاعلية إحساسية وليس بالضرورة فاعلية مفكرة (بلغة كانطية هو فكر لا يفكر).

هنا لا بد أن نتذكر أنّ الضمير يتحرك في مجال مباين للمجال العملي، أي في مجال المصالح المادية والاجتماعية والتي يحميها القانون. مع ذلك فإنه لا يمكن للمحاكم أن تمتد صلاحياتها إلى حدّ التفتيش في الضمائر طلبا لمخالفات تقع تحت طائلة القانون. وحين يحتكر القضاء حق وواجب مقاضاة الناس، وحين يتنزه القضاء عن التفتيش في الضمائر، فلا حلّ إلا تجريم التكفير وكل أشكال التفتيش في الضمائر، حتى لا تغتصب أية جهة تلك الحصانة التي لا تقبل الاغتصاب.

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose