attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > شؤون وطنية > ليس كل من يركب الخيل فارس

ليس كل من يركب الخيل فارس

الثلاثاء 13 آذار (مارس) 2012

14-01-2012

بقلم: الصادق بلعيد:العميد السابق لكلية الحقوق بتونس


I ـ ما نفهم من حدث القصرين

إن أقل ما يقال عن زيارة رؤساء "لترويكا" الثلاثة هو أنه، لأول زيارة من هذا المستوى، كان هذا التنقل الثلاثي فشلا كاملا وذريعا وقبل أن نخوض في مغزى هذا الحدث من الناحية السياسية، قد يكون من المفيد أن ننظر في الظروف التي وقعت فيها هذه الزيارة الميدانية، وأن نستخلص منها بعض العبر. هذه الزيارة جاءت، في نظر الزائرين، على الأقل، في إطار الاحتفالات بالذكرى الأولى لاندلاع ثورة 17 ديسمبر ـ 14 جانفي الفارطين، وكذلك على اثر انتهاء الانتخابات التأسيسية، وما انجر عنها من ارساء المؤسسات الدستورية الوقتية الجديدة، من مجلس تأسيسي ورئاسة جمهورية وحكومة مؤقتة، وتشريعات استعجالية،مثل ذلك القانون لميزانية 2012 الذي سيبقى حدثا على غاية الطرافة في تاريخ المالية التونسية، وغير ذلك.

ولكأن هذا الوفد الرسمي من أعلى مستوى بادر بالقيام لأول زيارة له الى مهد الثورة المباركة، وحال لسانه يريد أن يشير الى كل تلك الانجازات العظيمة، التي ينسبها الى جهوده وتضحياته الكبيرة، رغم ما لاقاه من صعاب جمة ومتنوعة. ولكن هذا التنقل الثلاثي لزعماء "الترويكا" يلفت النظر من جهة أخرى، فيها أكثر من مغزى.

إن التنقلات الميدانية للزعماء في الأنظمة الديمقراطية شيء طبيعي ومألوف، لكن، هنا، ما يميز الحدث الأخير هو أن هذه الزيارة الرسمية وقعت على أعلى مستوى وكذلك جمعت الزعماء الأكبر في آن واحد، وصادف أن هؤلاء هم، ثلاثتهم رؤساء الأحزاب المتحالفة في ممارسة الحكم، وهذا هو الغريب في الأمر!

فلماذا تنقل ثلاثتهم الى نفس الجهة وفي نفس اليوم؟ فإن كان السبب لمثل هذه الزيارة المكثفة الاحتفال بعيد الثورة، فإنه كان أحرى بهم أن يشرّفوا جهات أخرى لا تقل تعطشا الى مثل هذه الالتفاتة الكريمة. وإن كان من الضروري تمييز مدينة معينة بالأساس، فإن لسائل أن يتساءل لماذا هذا الافراط في الاهتمام، وهذه الحظوة الخاصة بهذا الحضور الثلاثي؟

للإجابة عن السؤال، قد تكون التكهنات صعبة أو مجازفة شيئا ما، لكن ليس من المستبعد أن يكمن السر في ذلك إما في ابراز تضامن قوي ووطيد لأعضاء التحالف الثلاثة أمام الشعب ممثلا في تلك الجهة أو بالعكس، في اصرار كل من الزعماء الثلاثة على الحضور شخصيا حتى لا يغفل أحد على اسهامه المحوري في الانجازات الثورية التي تكبدوا عناء السفر قصد تقديمها الى المواطنين، والحقيقة أن في كلتا الحالتين، أكثر من مغزى، خاصة إذا تذكرنا أن الزعماء الثلاثة هُرّبوا من مكان الاجتماع بصورة غير مشرفة وغير متلائمة مع مناصبهم الرفيعة.

ففي الحالة الأولى، يبدو واضحا أن الجموع الغفيرة التي فرضت اجلاء الزعماء الثلاثة بالقوة أرادت أن تعبر عن استيائها الشديد لما تمثله "الترويكا" من تهميش واقصاء المنتخبين الشرعيين لأهالي الجهة ومن التفاف على الثورة وانغماسها في التجاذبات حول اقتسام السلطة والمناصب التي دامت ما يقل عن أربعة أشهر، ومما انجر عنه من اهمال للمصالح الشعبية الحيوية والملحة. أما اذا نظرنا الى الافتراض الثاني، فإن الأمر قد يكون أسوأ من الأول.

ففي هذه الحال، يبدو أن ما أرادت الجموع الغاضبة التعبير عنه هو ليس فقط رفض ما وراء "لترويكا" من جهود قصد احتكار السلطة حتى باللجوء الى الاقصاء والتهميش لقسم هام من الفئات الشعبية، ولكن أيضا الشخص ضد ما ترمز اليه فكرة التحالف من عدمها، ذلك أنه ثبت عند الجمهور أن "الترويكا"في حد ذاتها، ليست آلة لتهميش الآخرين ولإقصائهم من العملية السياسية التي يتحكم فيها الثلاثي المتحالف فقط، بل وإنما في داخلها، تركيبة ملفقة ومرتبكة ومصطنعة وغير قارة، تتحول وتتغير حسب مصالح مركبات ذلك التحالف وتطورها، أي في آخر المطاف، إنها آلة للتلاعب بالمصالح الشعبية حسب موازين القوى الراهنة وحسب توجهاتها الايديولوجية الخاصة بكل منها وحسب ظروفها المتحولة بين فترة وأخرى، وهذا يعني باختصار، اقحام سياسة المصالح الحزبية الضيقة والآنية والمتغيرة في صلب منظومة الثورة الحقيقية في البلاد، وهذا ما ترفضه الجماهير، كما أثبت ذلك ما جرى بمناسبة الزيارة الثلاثية الأولى من نوعها داخل البلاد.

IIـ ما وراء حدث القصرين

إن الدروس التي يمكن استخلاصها مما حصل أثناء هذه الزيارة الميدانية الثلاثية الاولى من نوعها، يمكن جمعها في نقطتين هامتين تتعلقان بنوعية السلطة الحكمية في البلاد التي أفرزتها الانتخابات العامة بعد سنة كاملة من اندلاع
ثورة 14 جانفي.

المعضلة السياسية

إن أول ما يستخلص من هذه الزيارة يتعلق بالأساس بنوعية الحكم السياسي القائم اليوم، فهو حكم يمتاز بكونه أول نظام سياسي ناتج عن انتخابات ديمقراطية نظمت في البلاد لأول مرة منذ عدة عقود، وهذه هي خاصية من المشروع أن يحييها الشعب التونسي وأن يحتفل بها لكونها حدث كثير الأهمية في تاريخنا السياسي المعاصر وبادرة مفصلية في التحول الديمقراطي الذي أفرزته الثورة ومفتاح لمشهد سياسي جديد في البلاد التونسية وفي البلاد العربية التي مر بها ما يسمى بـ"الربيع الثوري العربي". ومن جهة أخرى، فإن هذا النظام الجديد جاء على اثر فترة ثورية امتدت على عام كامل، ووقع اثناءها هدم نظام فاسد حكم البلاد عدة عقود ووضع أسس نظام سياسي جديد مركز على مبادئ الديمقراطية أقرها الشعب التونسي بإجماع كامل وعهد الى مجلس منتخب ديمقراطي بوضع أسسه وترتيباته ضمن دستور جديد متناغم مع أهداف الثورة وفاتح لصفحة بيضاء في تاريخه المعاصر. ومن البديهي أن من نتائج هذه الثورة ضرورة القطع مع الماضي البغيض وارساء نظام سياسي مطهر من كل شوائب النظام السياسي القديم، وهذا المبدأ الأساسي لا شك في تطبيقه والتقيد به سيكونان نافذي المفعول ابتداء من يوم اعتماد ما يسمى النظام المؤقت للسلطات العمومية، أو ما يسمى أيضا ولو دون جدارة "الدستور الصغير" والذي على أساسه وقع انتخاب أول
حكومة شرعية بعد الثورة، أي الحكومة المؤقتة الحالية.

إلا أن ما يدفع الى بعض الاحتراز هو طبيعة الحكومة المؤقتة التي وقع تركيبها على أساس مبادرة "الترويكا" وبإرادة مكونها الرئيسي، أي حزب "النهضة" ففي المناخ الثوري والتحولي، كان من المفروض أن تكون تركيبة هذه الحكومة الانتقالية مفتوحة على كل مكونات المجلس التأسيسي التي أفرزتها الانتخابات وبكل أطيافها، وهذا النوع من التركيبات الحكومية الخاصة بالظروف الاستثنائية كما هي الحال في بلادنا، يسمى "حكومة وحدة وطنية"، أي الحكومة التي تتجاوز الانقسامات الحزبية مراعاة للظروف المتقلبة التي تعرفها تلك البلاد وفي الحقيقة، هذا ما تدعيه فعلا الحكومة الحالية، لكن المؤسف هو أن هذا الادعاء يتنافى مع الحقيقة الواضحة، فهذه الحكومة المؤقتة ليست "حكومة وحدة وطنية" وإنما هي "حكومة تحالفية" تجمع ثلاثة أحزاب حصرا، ما جعلها تسمى حكومة "الترويكا"، وهذا يعني شيئين هامين لهما انعكاس مباشر على مشروعيتها وعلى نجاعة عملها:

الأمر الأول هو أن هذه الحكومة المؤقتة اختارت أن تكون حكومة اقصاء على حساب الاحزاب الأخرى ولم تتفاعل معها ولا انفتحت عليها قصد تأليف حكومة تشارك فيها تلك "المعارضة" فتتحمل معها قسما من المسؤولية في إدارة البلاد. والأمر الثاني هو أن هذه الحكومة التحالفية ضمت الى جانب الحزب المهيمن حزبين آخرين أقل أهمية من هذا الأخير، ما انجر عنه تهميش لدور هذين الحليفين واستنقاصا لأهميتهما السياسية. زيادة على ذلك، فإن هؤلاء الحلفاء الثلاثة لا يشتركون بصفة أكيدة في الأهداف والمبادئ السياسية بما يمكنهم من الاستقرار في الحكم ومن الوضوح في المبادئ السياسية التي على أساسها يضبط العمل الحكومي وتخطيطه، وهذا ينجر عنه أن التحالف، إن كان قويا في عملية الاقصاء ضد الأقلية، فإنه ضعيف في تكوينه وتركيبته ويتعرض الى خطر الانقسام والانشقاق في كل لحظة، وهذا ما بدا فعلا بعد بضعة أيام فقط من ترسيم هذه الحكومة. فمن جهة، رأينا حزبين من الثلاثة يحتج على قرارات أخذتها الحكومة التي هما شريكان فيها، ومن جهة أخرى، ظهرت بعض التصدعات الهيكلية في التحالف حيث بادر اثنان من المتحالفين بالتصريح أن التحالف في تأليف الحكومة لا يعني الانسجام الكامل بين أعضاء التحالف في بقية المسائل والمشاكل المطروحة، ما يعني أن هذه الحكومة ستكون في كثير من الظروف مشلولة في عملها ومحرومة من التضامن الحكومي اللازم لاتخاذ القرارات وتحمل المسؤوليات السياسية التي ستنجر عنها.

ثم إن أمرا آخر لا يقل أهمية سيكون له دور في اضعاف هذه الحكومة الائتلافية في أدائها الحكومي، ذلك أنه نظرا الى أن التحالف الثلاثي مكون على أساس تفوق لاحدى مركباته على حساب البقية، فإن النزعة الغالبة في اتخاذ القرارات تذهب في اتجاه الانفرادية بالقرار لصالح الحزب المهيمن عوضا عن التمشي التوافقي، وهذا ما يبدو أنه حصل فعلا في الأيام القليلة الفارطة، عندما فوجئ الجميع بقرارات اقصاء موظفين سامين في قطاع الأمن وفي قطاع الاعلام من دون أن يوافق عليها كامل أعضاء التحالف، وهذا أمر خطير يشير الى أن العمل الحكومي الثلاثي قد يتعرض في المستقبل الى مثل هذه التعطيلات والنكسات والاختلافات التي من شأنها، في هذه الظروف الاستثنائية الحرجة، أن لا تساعد على انجاح العمل الحكومي في هذه المدة الانقالية الوجيزة والمحدودة زمنيا، وأن هذا التطور التأزمي هو الذي أنبأ به ونبّه اليه ما حدث خلال الزيارة الثلاثية الاولى الى داخل البلاد.
المعضلة الاقتصادية

إن هذه المعضلة الاولى تتفاعل مباشرة مع مشكلة أخرى لا تقل أهمية، ذلك أن ما أفرزته الزيارة الثلاثية يشير الى أزمة ثقة وتفاهم بين الأقطاب الثلاثة الأعلى في الحكم في البلاد، من جهة، وبين عموم الشعب، من جهة ثانية، ذلك أن الزعماء الثلاثة ذهبوا الى داخل البلاد لتقديم خطاب سياسي، في تصورهم الثلاثة، هو خطاب الساعة ومحور التحركات والتصارعات الحزبية في البلاد، وقدموا على أساس ذلك ما رأوه من الكلام ومن التصورات والانجازات ما كانوا يتخيلون أنه سيحصل على رضاء الجميع ويعزز مشروعيتهم في أول ظهور لهم من بعد الانتخابات.

إلا أن ما فوجئوا به هو أن الأغلبية الساحقة التي حضرت الاجتماعات لم تأت للاستماع الى مثل تلك الخطابات، بل لتعبر على أن مشاغلها الأساسية ليست بالمشاغل السياسية أو الحزبية، وإنما هي من نوع خاص كان على الخطباء والزعماء أن يتفطنوا لها، خاصة أنها هي تلك بالذات التي عبرت عنها الجماهير الشعبية منذ ثورة 17 ديسمبر ـ 14 جانفي وذكرت بها في مناسبات عديدة اخرى منذ تلك الثورة التاريخية، وهذه المشاغل هي بالأساس مشاغل اقتصادية واجتماعية بامتياز لم تعد تتحمل التسويف بأكثر مما حصل. وهذا التناقض الأول في العلاقة بين الساسة وبين الشعب، الأولون يتكلمون لغة السياسية، والآخرون يتكلمون لغة الاقتصاد والأولويات اليومية والآنية.

وإنه من المؤسف في هذا الباب الثاني من تقييمنا للتطورات العامة بعد مرور سنة من اندلاع الثورة، هو أن الحكومة الحالية لم تأت بالمفيد ولا بالمقنع يوم أن طلب منها تبيان مخططها لمعالجة هذه المشاكل الاقتصادية والاجتماعية المحرجة، بل أن خطاب الحكومة بمناسبة طلبها تزكية المجلس التأسيسي، كان مخيبا للآمال بصفة عميقة، في آن واحد من ناحية برامج عملها ومن ناحية الآليات المالية بالخصوص اللازمة للنهوض باقتصاد البلاد ولتحسين ظروف العيش للأغلبية الساحقة من أعضاء هذا الشعب.

وبذلك يتضح أمامنا أن الحالة العامة في البلاد والتطورات التي ستعرفها في المستقبل المتوسط قد لا يسهل معالجتها بكل النجاعة المطلوبة، وأن مثل ذلك الرهان الصعب قد يتطلب منها مراجعات وتغييرات كبيرة، من المؤمل أن تجد القوة الكافية للقيام بها بكل جرأة.

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose