attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > شؤون وطنية > حول آراء السيد راشد الغنوشي في الحوار مع اليسار والحضارة والحداثة

حول آراء السيد راشد الغنوشي في الحوار مع اليسار والحضارة والحداثة

الثلاثاء 21 شباط (فبراير) 2012

04-02-2012

تابعت باهتمام احدى حلقات البرنامج التلفزي "شاهد وشواهد"الذي خصص للحديث مع رئيس حركة "النهضة" السيد راشد الغنوشي حول بداية مسيرته السياسية التي تزامنت مع إنهاء دراسته في جامع الزيتونة وانطلاق اصلاح النظام التربوي في السنوات الأولى بعد الاستقلال، عمل على القطع مع الأنماط التقليدية التي كانت سائدة في العهد الاستعماري والمرتكزة بالأساس على تدريس اللغة العربية والعلوم الدينية والفقهية، والتأسيس لمنظومة تربوية وتعليمية جديدة تقوم على مواكبة النظم التعليمية العصرية القائمة على إيلاء اهتمام كبير باللغات الأجنبية والعلوم الصحيحة والتكنولوجيا الحديثة والانسانيات بمختلف فروعها التي تحولت الى علوم قائمة بذاتها.

وقد أدت هذه التحولات الكبرى في المجال التربوي والتكويني بالفعل الى تراجع دور المؤسسة الزيتونية، التي فقدت الكثير من مكانتها مع بعث الجامعة التونسية وغيرها من مؤسسات التعليم العالي في مختلف جهات البلاد، وحققت تونس بفضلها أحد ءهم فصول قصة نجاحاتها بعد الاستقلال.

ومع ذلك يبقى السيد راشد الغنوشي محقا، في أن جيلا كاملا من طلبة "الزيتونة" الذين أنهوا تعليمهم للتو، أو كانوا على وشك إنهائه في ذلك الوقت، قد تعرض للتهميش واللامبالاة، وفقد توازنه في خضم تلك التحولات، بما جعله عاجزا عن التأقلم التام مع الأوضاع الجديدة التي كانت أكثر مواتاة لمعاصريهم من الذين تحصلوا على التعليم العصري في الجامعات الغربية وامتلكوا ناصية اللغات الأجنبية والفرنسية منها على وجه الخصوص، وتم التعويل على خدماتهم لملء الفراغ والشغورات الحاصلة في الأجهزة الادارية والحكومية بفعل الانسحاب المفاجئ والمكثف للكوادر والإطارات التونسية.ولا شك أن هذا الوضع قد شكل صدمة وخلق شعورا بالمرارة والغبن لدى عدد كبير من خريجي "الزيتونة" ومدرسيها في تلك الفترة، لا نزال نلحظ أثرها الى اليوم، كما جاء ذلك على لسان السيد الغنوشي الذي يبدو أن مساره السياسي قد تأثر بها أيما تأثر

.ومما يثير الانتباه في ذلك الحديث اعتراف السيد الغنوشي بتأثير الأطراف اليسارية في الحركة الطلابية على النشطاء الاسلاميين في خضم الصراعات الفكرية التي احدتمت بينهم في الجامعة التونسية في سبعينات القرن الماضي، فلقد تخلت الحركة الاسلامية عن تصنيف المواطنين بين متدينين( مسلمين) وغير متدينين (غير مسلمين) لتتبنى مقولة اليسار التي تتحدث عن التناقض الرئيسي بين المستغلين (بكسر الغاء) والمستغلين (بفتح الغاء)،

وهو ما تحول على لسانها الى مقولة التناقض والصراع بين "المستكبِرين" و"المستضعَفين" الذي كان احدى المقولات الرئيسية في خطاب الإمام الخميني والثورة الاسلامية في إيران. مضيفا بمزيد من التوضيح بأن من بين المسلمين يوجد مستكبرون وفاسدون، وكذلك مستضعفون ومضطهدون، وهو كلام ايجابي دون شك، ولكنه يفترض استخلاص النتائج النظرية المترتبة عن ذلك، بما يعني ضرورة الابتعاد عن الزج بالدين والمقدس على وجه العموم في الصراعات السياسية القائمة على اختلاف وتضارب المصالح بين مختلف الفئات الاجتماعية.

كما أكد السيد الغنوشي على أن الدين لا يصنع حضارة، وأن الشعوب وحدها تصنع الحضارات، وهو ما يحيل الى ضرورة مزيد التعمق في كنه بعض المفاهيم، كمقولة "الحضارة العربية الاسلامية" وغيرها التي تختلف تفسيراتها وتأويلاتها واستعمالاتها باختلاف مقاصد الأطراف المتبنّية لها.و في مكان آخر من حديثه يعرج رئيس حركة "النهضة" على مفهوم الحداثة، زاعما بأن الجميع في تونس حداثيون: وأن الخلاف يكمن فقط بين مفهومين من الحداثة:

المفهوم الأول يدعو الى حداثة متأصلة في الإطار الاسلامي، وهي الحداثة التي تدعو لها حركة "النهضة" وحلفاءها، وبحسب رأيه فإنها الحداثة ذاتها التي دعا لها زعماء الاصلاح في بلادنا ابتداء من خير الدين باشا التونسي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، فهي بهذا المعنى حداثة أصيلة متجذرة في واقعها وبيئتها.

أما المفهوم الثاني، فيتمثل في حداثة منفصلة عن الإطار الاسلامي تقوم على التماهي مع الحضارة الغربية ومحاولة استنساخها، فهي اذن حضارة هجينة منبتة وغريبة عن الواقع والبيئة التي تعمل في إطارها.

وهنا فليسمح لنا السيد الغنوشي بمعارضته من زاويتين على الأقل:

1ـ إن نزعة الحداثة والمحافظة تخترق جميع المجتمعات البشرية دون استثناء، اذ لا تخلو أكثر المجتمعات حداثة وتقدما من النزعات المحافظة وأغلبها يتستر بغلاف ديني يقوم على تأويلات ومفاهيم جامدة ومتخلفة للموروث الثقافي والديني، وهناك تيارات تدعي التجديد في إطار المحافظة، كما هو الحال في تيارات المحافظين الجدد في أمريكا، الذي تصب نظرياته وقيمه في مصلحة التوجهات الأكثر رجعية لرجال السياسة والزعماء الأمريكيين (وتكفي هنا الاشارة الى دورهم في حقبة الرئيس السابق للولايات المتحدة سيء الصيت جورج بوش وأتباعه).

2ـ أن المجتمع التونسي، على غرار بقية المجتمعات البشرية، تتجاذبه كذلك نزعتا المحافظة والتجديد والحداثة، والقول بوجود نزعة تحديث من داخل المنظور الاسلامي وأخرى من خارجه، هو قول مجانب للصواب، وفيه الكثير من التهويل يجعله أقرب الى التجني منه الى معاينة الواقع، اللهم إلا اذا كنا لا نتحدث عن نفس الشيء ولا نستعمل كلمة الحداثة بنفس المعنى.

فالحداثة أصبحت اليوم مفهوما كونيا يختزل جملة من القيم والمبادئ التي نعتقد أنها لا تتعارض في جوهرها مع القيم والمبادئ الأساسية للدين الاسلامي ومقاصده السمحة التي هي كذلك مشتركة مع كافة الأديان، أليست قيم الحرية والعدل والمساواة وحقوق الفرد التي هي في جوهر قيم الاسلام، هي ذاتها القيم التي تشكل القاعدة الصلبة لمفهوم الحداثة المعاصرة، بعد أن تم اثراء مضامينها واستكمالها بقيم جديدة، ومنها المساءلة والمحاسبة للقائمين على الشأن العام واعتماد الشفافية والفصل التي يتم اجمالها تحت عنوان "الحوكمة الرشيدة"، ومنها كذلك الاحتكام الى القوانين الوضعية ومدنية الدولة وحرية المعتقد التي تعني فيما تعنيه صيانة دور العبادة وتعهدها واحترام المقدسات وتجنب التداخل بين المجال الديني والروحي من جهة، وفضاء السياسة من جهة أخرى، كونهما يخضعان لضوابط مختلفة.

والسؤال هنا إذا كان السيد الغنوشي يتفق معنا في علوية هذه القيم الانسانية الكونية، قلنر كيف نعمل معا وسويا من أجل تأصيلها في مجتمعنا في انسجام وتوافق مع أفضل ما في مورورثنا الثقافي والروحي والحضاري من قيم ومبادئ.

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose