attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > مـنبـر اﻵراء > قراءة في تطورات "قضية النقاب"

قراءة في تطورات "قضية النقاب"

الاثنين 13 شباط (فبراير) 2012

الجامعة التونسية والمحكمة الإدارية متضامنتان مع كلية منوبة تواصل دعاية موجهة تقديم كلية الآداب والفنون والانسانيات بمنوبة كمؤسسة "مارقة" على الأقل متشددة أو غير موفّقة في التصرف في قضية النقاب.

المنتقدون يتبعون سياسة النعامة وينفون الواقع، فيؤكدون أن الكلية معزولة، فاقدة لدعم الفاعلين في الحياة السياسية والمجتمع المدني وبقية المؤسسات التي يعتبرونها "متسامحة" مع النقاب أو "مقنّنة" له، وغير عابئة بما يجري بكلية منوبة.

والواقع أن هؤلاء يتغافلون عن مواقف رئيس الجمهورية ورئيس المجلس الوطني التأسيسي وعديد الأحزاب السياسية ووزيرة المرأة والأسرة حيث أن قضية النقاب تمس من المكانة الاجتماعية للمرأة ورابطة حقوق الانسان واتحاد الشغل والاتحاد الجهوي بمنوبة والجامعة العامة للتعليم العالي والبحث العلمي ومجلس إدارتها، والتحركات النقابية المطالبة بإصدار نص قانوني يمنع ارتداء النقاب داخل المؤسسات الجامعية ، كالاضراب العام للجامعيين يوم 1 ديسمبر 2011 وتجمعهم يومي 1 ديسمبر و4 جانفي استجابة لنداء جامعته؟

وجاءت الأحداث المتتالية هذه الأيام لتؤكد هذا الدعم وتكذب الذين ينتقدون الكلية، لهدف ما أو عن جهل للواقع.

فقد اتخذ عمداء كليات الطب الأربعة موقفا مشتركا من النقاب يوم 2 نوفمبر، وطالب عمداء كليات الآداب الخمس المجتمعون يوم 31 جانفي 2012 الطالبات المنقبات بكشف وجوههن داخل الحرم الجامعي، وهذان الموقفان يدعمان بالطبع موقف كلية منوبة ويبرهنان أن هناك مواقف أكثر صرامة من موقف كلية منوبة التي أظهرت أكثر تسامحا، وبالنسبة للبعض أكثر "ميوعة"، حيث اكتفت بمنع النقاب داخل قاعات الامتحان والدرس وليس في كامل الكلية.
ومن جهة أخرى، فإن من يركز على كلية منوبة ويقدمها على أنها ضد النقاب لأنها "وكر كفّار" ينسى أو يتناسى أنه قبل احتجاز العميد يوم 28 نوفمبر 2011، تاريخ بداية أزمة كلية منوبة وبروزها إعلاميا، حدثت سابقة بكلية آداب سوسة، حيث وقع عليها هجوم في بداية السنة الجامعية، لأن مصالحها الادارية رفضت ترسيم طالبة لم تتمكن من التعرف عليها لارتدائها نقابا ورفضها كشف وجهها، وقد نظر المجلس العلمي في تلك القضية، فأكد موقف الادارة "نظرا لضرورات التواصل البيداغوجي".

وقد تظلمت الطالبة المعنية لدى المحكمة الادارية لإبطال ذلك القرار، لكن المحكمة رفضت طلبها، باعتبار أن "حرية اللباس كجميع الحريات الفردية والجماعية تخضع الى ضرورة أخذ تنظيم المصالح العمومية وسيرها العادي بعين الاعتبار"، وأن رفض التسجيل ˜يندرج ضمن التراتيب الجاري بها العمل والضرورات المرتبطة بحسن سير المرفق العام وبضمان مصلحة الطلبة أنفسهم أي التواصل الضروري في كل عملية بيداغوجية ضمانا لنجاح عملية تكوين المتعلمين.

إن المنتقدين نسوا أنه قبل انطلاق أحداث سوسة ومنوبة بوقت طويل منعت كلية العلوم بتونس طالبة بالسنة الثالثة من إجازة الفيزياء من حضور الدروس واجتياز الامتحان من أجل ارتدائها النقاب، لكن هذه الطالبة قد أذعنت الى قرار السلط الجامعية لأنها لم تكن مسنودة من طرف المجموعات التي بثت الرعب بكلية سوسة وشوشت السير العادي لكلية منوبة لأكثر من شهرين، وقد دعمت المحكمة الادارية موقف كلية العلوم بتاريخ 7 جويلية 2011 ، فأخذت بعين الاعتبار الأسباب التي قدمها عميد الكلية والمتعلقة بضرورات تكوين الطلبة وبامكانية حدوث أعمال غش من طرف المنقبات، وكذلك بما قد يشكله هذا اللباس من خطر على صاحبه في بعض المخابر.

والى جانب البعد البيداغوجي، فإن قضية النقاب لها شحنة ايديولوجية وسياسية كبيرة، يصعب أن تتحملها مؤسسات التعليم العالي التي رفضت الانسياق وراء هذه المنزلقات، لأنها تتعلق بحقوق المرأة، وهي القضية التي أصبحت منذ الثورة محل جدل كبير جدا، ولم ترد لا كلية منوبة ولا كلية تونس ولا كلية سوسة نشرها في وسائل الاعلام حفاظا على مهامها وتفاديا لتوضيفها سياسيا، ولم تبرز في وسائل الاعلام إلا نتيجة أعمال العنف التي قامت بها مجموعات بسوسة وبمنوبة، في 28 نوفمبر و6 ديسمبر بالخصوص.

بل إن بعض المؤسسات الجامعية قد غضت الطرف على تواجد المنقبات، كما يدل على ذلك تعليق نشرته المجلة الالكترونية "Leaders" بتاريخ 6 جوان 2011 والذي تضمن لوما على إدارة معهد بالعاصمة سمحت لطالبات منقبات باجتياز الامتحانات رغم اعتراض المجلس العلمي والنقابة.

إن من يتابع تسلسل الأحداث يتبين بوضوح أن اعتصام سوسة وأعمال العنف التي تبعته، كانت النتيجة المنطقية لأحداث كلية العلوم بالعاصمة وكلية الآداب بسوسة، حيث طبق العمداء التراتيب وقرار المحكمة الادارية بتاريخ 7 جويلية 2011، وأمام اصرار الجامعيين على تطبيق المنطق البيداغوجي وصلوحيات المجلس العلمي، لم يبق لمناصري النقاب إلا اللجوء الى منطق القوة بعد فشلهم في الإقناع بقوة المنطق.

إن اختبار كلية منوبة يعدّ محاولة منهم لإيهام الرأي العام أنهم ضحية تمييز سياسي وديني، لأن عميد الكلية ينتمي الى حزب سياسي حداثي، وأساتذتها من الكفرة الذين يجب محاربتهم أيضا، حيث أن المختصين في العلوم الاسلامية بالكلية يدرسون الاسلام بآليات مثل الألسنية والعلوم الاجتماعية.. الخ، ويقدمون قراءات ليست مطابقة للقراءات القديمة و"الرسمية".

إن هذا الاستعراض التاريخي للأحداث، يبرز التناقض بين ممارسة الجامعيين للحق الذي منحه لهم القانون في تقنين الأمور العلمية والبيداغوجية، وهو حق مارسوه أيضا لمنع النقاب في قاعات الدرس لأسباب مشروعة وشرعية، أيدتها المحكمة الادارية من جهة، ومن جهة أخرى خرق القانون من طرف مجموعة صغيرة لا تعترف بذلك الحق، ويساندها في ذلك وزير يبدو من تصرفاته أنه لا يميل الى الدفاع عن الأساتذة باصدار منشور يؤكد مواقفهم.
إن وزير التعليم العالي وعدد من القيادات النهضوية يبدون متأثرين بصورة الضحية التي يسوقها معتصمو منوبة لدى الرأي العام. ففي تصريح لمجلة "Le Nouvel Observateur" يردد الوزير مرارا فكرة أنه لا يمكن تقنين قضية النقاب في غياب دستور للبلاد، وهي فكرة عبر عنها في حديث لتلفزة "حنبعل" وفي صحيفة "المغرب"، وهو بذلك لا يستبعد ـ ضمنيا ـ أن تفتك من المجالس العلمية صلوحياتها، اذا ما سمح الدستور المرتقب بارتداء النقاب، كما أنه يعبر عن تعاطفه مع معتصمي منوبة قائلا : أرى أنهم يتصرفون بطريقة حضارية، يجب ألا نتشدد معهم، مع الأسف بعض الفتيات يمنعن من اجتياز امتحاناتهم لأنهن يلبسن نقابا، إني أعجب من أن أناسا ينتمون الى النخبة التونسية عجزوا عن حل قضية بسيطة، خصوصا أن رفضهم قبول طالبات منقبات قد يكون في يوم من الأيام مخالفا لقوانين قادمة. في الوقت الحاضر، يكفي أن تحضرن الدروس ووجهن مكشوف وهن متوجهات نحو الحائط ولا ينظرن الى الأستاذ، وبالنسبة للامتحانات، فلتراقب هويتهن نساء!.

وهكذا، فإن الأدوار قد تبدلت وأصبح الجلاد ضحية، فالاعتداءات يقع تناسيها ويصبح المعتدى عليهم نخبة غير قادرة على حل مشكل بسيط كمشكل النقاب
مثال آخر على هذه الوضعية لأول مرة نرى في بلادنا حكومة تبدي مثل هذا التسامح ـ إن لم نقل التفهم ـ إزاء معتصمين، حتى أنهم بقوا لمدة شهر يتحكمون وحدهم في كلية منوبة كما يشاؤون.

ذلك هو السياق الذي جعل مواقف عدة مؤسسات جامعية وتحركاتها المشتركة تحظى بترويج اعلامي كبير، بهدف بعث رسالة قوية الى الحكومة، مفادها أن الجامعيين متضامنين مع كلية منوبة، ولم يعودوا مستعدين لقبول تفهم الحكومة للمعتصمين. وفي هذا المضمار، فإن أمرا مُهما حدث دون أن يلفت الانتباه، وهو أن مدرسي كلية الطب بالعاصمة قد قاموا، يوم 1 ديسمبر 2011، باضراب شامل تلبية لنداء الجامعة العامة للتعليم العالي للتضامن مع كلية منوبة، رغم أن هؤلاء المدرسين لا ينتمون الى نقابة التعليم العال.

إن هذه الرسالة ـ وكذلك قرارات المحكمة الادارية ـ قد دعمت موقف أساتذة منوبة، وأكدت لهم وجاهة قراراتهم، وهو ما أكدوه في الجلسة العامة التي عقدوها يوم الخميس 2 فيفري والتي جددوا فيها التعبير عن غضبهم إزاء عدم تحرك الحكومة ومغالطتها، وحيوا عزم الجامعة العامة على اتخاذ مواقف صارمة بعد الاقتناع بأن المفاوضات مع الوزارة حول قضية النقاب قد آلت الى مأزق.

إن المدرسين عازمون على الدفاع عن الصلوحيات التي خوّلها لهم القانون، وتواصل المراوحة في نفس المكان لا يمكن إلا أن يزيد الأوضاع تعفنا بكلية منوبة، وكذلمك في سائر المؤسسات الجامعية.

الحبيب الملاخ

مدرّس ونقابي

كلية الآداب ـ منوبة

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose