attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > شؤون وطنية > بين الديمقراطية و الشريعة أو زواج العصفور بالسمكة

بين الديمقراطية و الشريعة أو زواج العصفور بالسمكة

الأحد 3 تموز (يوليو) 2011

سلوى الشرفي

أستاذة الاتصال السياسي بالجامعة التونسية

حذرنا الأستاذ محمد الطالبي خلال حصة إذاعية على "شمس أف م" يوم الأربعاء 29 جوان من تصديق السلفيين حين يؤكدون تبنيهم للديمقراطية مع التمسك بتطبيق الشريعة، واصفا زواج السلفية و الديمقراطية بأنه "زواج حرماني". و زاد عليه مجادله الأستاذ عبد الفتاح مورو بالتوضيح بأنه "زواج عصفور بسمكة". و نشير بأن الأستاذ مورو يرى أنه من غير الممكن تطبيق الشريعة في دولة تعمل على أساس مدني. فهل نفهم من ذلك أنه يؤجل الطلاق بين العصفور و السمكة إلى حين إرساء دولة دينية ؟

و أنا استمع إلى هذا الجدل خلت نفسي في الثمانينات أي أننا لم نبرح مكاننا منذ ثلاثين سنة، و كأن بورقيبة لم يرحل و كأن بن علي لم يهرب، و كأن الانترانت لم تدخل بعد بيوتنا و غيرها من الاختراعات و الاكتشافات العلمية التي غيرت وجه العالم و طريقة تفكير الإنسان.

بل إننا عشنا الأسبوع الفارط على إيقاع ما يمكن أن يشبه أجواء ما قرأناه و تخيلناه حول فتنة خلق القرآن و تناحر الفرق الكلامية، بعد هجوم كتيبة إسلامية على قاعة سينما الأفريكا بالعاصمة التي كانت تبث فيلما رأت فيه الكتيبة مسا لطريقة فهمها للإسلام، و هي طريقة لا تدخل في حسابها قوله "فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر"، ثم نقلت الكتيبة حربها إلى قصر العدالة للمطالبة بتجريم الإلحاد. و كانت حربا بأتم معنى الكلمة تم فيها استعمال الغاز المشل للحركة و الاعتداء الجسدي على الفنانين و المحامين ذكرتنا بأيام المعارك مع كتائب الطاغية بن علي في شارع الحبيب بورقيبة قبل هروبه.

هذا إضافة إلى الرعب الذي تمكن من المواطنين بعد كشف زياد الدولاتلي عضو حركة النهضة لمعلومات تفيد بأن إحدى الفرق السلفية تعدّ برنامجا حافلا بالعنف ضد مرتادي الشواطئ و النزل خلال هذه الصائفة الجافة سياحيا، بعد أن قدمت لنا نماذج من برنامجها بإفسادها لاحتفالات الباكالوريا في بعض الأحياء.

أين كان هؤلاء أيام غطرسة بن علي ؟ و أين كانوا خلال انتفاضة الحوض المنجمي ؟ بل أين كانوا أيام الثورة ؟ فهذه المشاهد السريالية لا تمت بصلة لروح الثورة التي تشهد عليها الشعارات المرفوعة و المكتوية على حيطان كل المدن التونسية و التي تم توثيقها في الصحف و كتب يوميات الثورة و فيديوهات الفايسبوك حتى لا يفتروا علينا و يدعون أنهم كانوا هنا. كل الشعارات تمحورت حول "الشغل و الحرية و الكرامة الوطنية" ثم "الخبز و الماء و الاستبداد لا"، أي ضد كل ما تقوم به هذه الكتائب اليوم. فمن 17 ديسمبر إلى 30 جانفي عشنا على وقع الحداثة بأتم معنى الكلمة نطالب بالحرية و المساواة و التفريق بين السلط،، ذلك أننا اكتوينا بنارها خلال فترة حكم بن علي الذي استفرد و عائلته بالسلط التشريعية و التنفيذية و القضائية و المالية و الإعلامية و الدينية. ألم يقدم نفسه كحامي حمى الدين ؟ ألم يؤسس صهره الفاسد صخر الماطري إذاعة دينية و بنكا و شركة تأمين إسلامية بأموال الشعب المنهوبة ؟ ألم يخرجه الإعلام في صورة الورع التقي الذي يخاف الله و يحرص على المال الحلال ؟

لذلك رفعنا شعار تفريق الدين عن السياسية حتى لا نعيد إنتاج صخر الماطري الذي ضحك على الذقون لمجرد ارتدائه جبة الصالحين.

و جاءت ردة الفعل العنيفة ليس من طرف أزلام النظام الساقط، بل من طرف جماعات لم نسمع لها صوتا و لم نرى لها حركة أيام الجمر و الرصاص المسكوب على أجساد شبابنا المطالبين بالشغل و الحرية. ثم امتدت الأيادي لفبركة أشرطة تم تركيبها و إخراجها بما يسمح بتكفير خصومهم السياسيين و تخوينهم، و من أفظعها شريط تظهر فيه سيدة العقربي و جماعتها من "أمهات تونس" و هن تزغردن و تهتفن "الله واحد الله واحد و بن علي ما كيفه حدّ" و قد كتبت الكتائب عليه جملة "النساء الديمقراطيات" للإيهام بان هذه المنظمة المناضلة الحقوقية هي منظمة بن علي. و ليس من باب الصدفة أن تمس حملة التشويه كل المحسوبين على التيار الحداثي الذين تجرؤوا على مجابهة نظام بن علي بوجوه مكشوفة. و كتاباتهم و تحركاتهم شاهدة على ذلك. إن ما يزعج الكتائب الإسلامية هو غيابهم الكلي خلال ثورة الكرامة مقابل ظهور هؤلاء و بروز شعارات لا تمت بصلة لمشروعهم السياسي. إنهم يسعون بأفعالهم هذه إلى طمس التاريخ النضالي للحداثيين و طمس فلسفة الثورة حتى لا تتم محاججتهم بالغياب و الجبن.

الكتائب الإسلامية لا تفهم من الديمقراطية سوى إلقاء ورقة في صندوق الاقتراع و الحق في التعبير و إن كان ثلبا و كذبا و حق الأغلبية في التعسف الفكري على مخالفيها، و هذا هو مفهوم زواج العصفور بالسمكة، فالتكن لها الشجاعة في الكشف عن وجهها بإلغاء هذا الزواج الحرماني.

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose