attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > على الدرب > بعد الحادث الأليم في سيدي بوزيد: من بؤس البطالة إلى بؤس الإعلام الرسمي!

بعد الحادث الأليم في سيدي بوزيد: من بؤس البطالة إلى بؤس الإعلام الرسمي!

الجمعة 24 كانون الأول (ديسمبر) 2010

[vert fonce]مرّة أخرى يقدم شاب تونسي في مقتبل العمر على محاولة وضع حدّ لحياته بإضرام النار في جسده أمام الملأ وقبالة مركز الولاية.[/vert fonce]

واتضح للرأي العام أن الدوافع الحقيقية لهذه المأساة الإنسانية -التي هزّت بقوة مشاعر التونسيين، وأهالي الجهة في المقام الأول، وزادت في درجة احتقان الشارع، تكمن في حالة اليأس والإحباط والشعور بانسداد الأفق أمام ذلك الشاب الذي اضطر إلى القبول بما تيسّر من إمكانيات العمل الشريف، على تواضعها وهشاشتها، رافضا الاستكانة إلى وضع البطالة واستجداء أقاربه أو عابري السبيل من أجل توفير لقمة العيش وتلبية حاجياته الأساسية وحاجيات عائلته في حدودها الدنيا، ولكن ذلك كله لم يشفع له أمام أعوان التراتيب البلدية الذين صادروا مورد رزقه الوحيد بحجة تطبيق القانون!

إنها ذات المصاعب والعراقيل الجمة، والمتعاظمة باستمرار، التي تعترض اليوم عشرات الآلاف من العاطلين عن العمل، ومن ضمنهم أصحاب الشهادات العليا، الذين يجهدون أنفسهم في البحث عن شغل يدفع عنهم غائلة الجوع ويحفظ لهم ما تبقى من كرامة إنسانية.

لقد كان هبّة شباب المدينة وانتقالها تباعا إلى مدن أخرى في الولاية التي شهدت مسيرات تضامنية تأكيدا واضحا على أن قضية ذلك الشاب ليست قضية شخصية أو حادثة عادية، يمكن وضعها في سياق "الأخبار المتفرقة" أو في ركن "الكلاب المسحوقة" على حد العبارة الفرنسية المقابلة - كما يحاول الإعلام الرسمي، وبقية وسائل الإعلام السائرة في فلكه الإيحاء بذلك، وبطريقة تطغى عليها المغالطة والرضا عن النفس والتعمية على الحقائق الساطعة التي يعرفها كل التونسيين، بل هو حادث عميق الدلالة لمن يريد أن يفتح عينيه، ومؤشر واضح يدق ناقوس الخطر للتنبيه إلى مدى تردّي الأوضاع الاجتماعية، وحدة معضلة البطالة في بلادنا، في الجهات الداخلية على وجه الخصوص، وفي ولاية سيدي بوزيد تحديدا.

وخلافا لما جاء في توضيح المصدر الرسمي بهذا الخصوص فإن نسبة البطالة بين حاملي الشهائد العليا في سيدي بوزيد هي الأعلى على المستوى الوطني، تليها بقية مدن الوسط الغربي والجنوب الغربي. وهو أمر مفهوم ومنطقي باعتبار خلو الجهة، خلوا يكاد يكون تاما، من أية مشاريع صناعية ذات قدرة تشغيلية مهمة لحاملي الشهائد العليا، وكذلك لضعف التمويل في مشاريع البنية التحتية.

إنها معطيات مؤكدة لا يرقي إليها الشك. والحكمة كل الحكمة في الإقرار بها، والعمل على تهيئة الظروف للبحث عن الحلول للإشكاليات الكبرى التي تطرحها، بدل إنكارها أو الزعم- كما يروج الإعلام الرسمي لذلك بدون كلل ولا ملل- بأن كل شيء على أحسن ما يرام، واتهام كل من يرى غير ذلك بالسعي للصيد في الماء العكر.

كما لم يعد يجدي نفعا التصدي للمشاكل المعيشية للناس ومواجهة مطالبهم المشروعة بسرد المعطيات الإحصائية وإشهار الأرقام في وجههم، وإن كانت بملايين الدنانير، عن الاستثمارات التي رصدت هنا وهناك، لأن العبرة تبقى أولا وأخيرا بما يحقق من نتائج على أرض الواقع ومدى استجابة ذلك لتلبية الحاجيات الفعلية ولمطالب المواطنين المشروعة.

كما أن التمسك بمقولة "المؤامرة" التي تمسك بخيوطها أطراف أجنبية حاقده ومتربصة ببلادنا، لم يعد يعني بالنسبة لأغلبية التونسيين أكثر من صدى باهت لاسطوانة بالية وممجوجة لم تعد تثير حماسة أحد بل لعلها أصبحت موضوعا للفكاهة والتندر!.

[bleu]صحيح أن لا أحد يملك الحلول السحرية الجاهزة، ولكن جلوس جميع الأطراف الوطنية على طاولة الحوار - كما لم تنفك تدعو إلى ذلك حركة التجديد وسائر مكونات تحالف المواطنة والمساواة- يعتبر أقوم المسالك وأفضلها للبحث الجماعي عن الطرق والوسائل الكفيلة بإخراج بلادنا من هذه الوضعية، التي لم يكن الحادثة الأليمة في سيدي بوزيد وما تلاها من مظاهر الغضب الشعبي المستفيض إلا إحدى حلقاتها، بعد الأحداث المماثلة أو الشبيهة لها في الحوض المنجمي وفي مدن فرنانة والمنستير وبن قردان، وهناك أفكار ومقترحات جدية خلافا لما يزعمه الإعلام الرسمي لدى أطراف المعارضة الديمقراطية -ومن ضمنها حركتنا- في هذا الشأن وفي غيره من الشؤون الوطنية المهمة.

أما التمادي في التلذذ بتكرار معزوفة الإعلام الرسمي فذلك وجه آخر من أوجه بؤس الأوضاع في بلادنا، لعله أمر وأدهى من بؤس البطالة ذاتها!.[/bleu]

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose