attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > مـنبـر اﻵراء > على هامش "غشاء البكارة الوطني"

وجهة نظر

على هامش "غشاء البكارة الوطني"

الأربعاء 17 تشرين الثاني (نوفمبر) 2010

بقلم سعيدة بن القراش

عنوان مستفز وهو المكتوب بين معقّفين تدليلا على اللا اعتراف كما هو الحال بالنسبة للنساء في ما يسمى "الوطن العربي الكبير" وترميزا للا اعتراف أيضا بهن وبوضعهن إن اقتضى الأمر بين قوسين لتوضيح الاستثناء من مسيرة الاعتراف في وطن يكبر أو يصغر حدودا وجغرافيا وحلما ليضيق بنسائه ويستثنيهن من توقه للاتساع والتوسع دونهن وعلى حسابهن.

العنوان المستفز هو لفيلم وثائقي من إخراج المخرج التونسي المقيم ببلجيكا جمال مكني والمشارك في سباق أيام قرطاج السينمائية لسنة2010، مع العلم أنه سيعرض بقناة تيفي خمسة الفرنسية TV5 وتناول فيه المخرج عبر سلسلة من الشهادات مسألة رتق غشاء البكارة وشرط العذرية لعبور بوابة الشرف والاعتراف الاجتماعي بمن حافظن عليها. وفي نفس الوقت حرم مشروع فيلم للمخرج التونسي الكبير النوري بوزيد من التمويل العمومي عن طريق وزارة الثقافة، يتناول نفس الموضوع أي غشاء البكارة. ولا يمكن لمن هم مثلنا أن يقتنعوا، بأن محض صدفة، صنعت من غشاء البكارة موضوع عملين سينمائيين يفوزان بشرف الغياب والإقصاء من دائرة البث أو التمويل.

حتى لا نتهم بالصيد في الماء العكر فإن في افتضاض البكارة من المفروض أن الأمر لا يتجاوز رقعتها ليشمل تصورا اجتماعيا كاملا يقوم على تغييب المرأة في هذه العملية رغبة وجسدا وحقا، حيث تحنط وتحفظ وتؤمن صونا لشرف العائلة والقبيلة، ولما لا الوطن في خصوصيته وتميزه عن سائر الأمم والشعوب.

تونس الحديثة كما يحلو للكثيرين من التائقين تقديمها، أو تونس المنبتّة كما يحلو للكثيرين أيضا وضعها بين معقفي الهوية والانتماء، لئن حاولت منذ الطاهر الحداد في الثلاثينات أن تكون نساؤها في دائرة الضوء لا الظل والذل، فإنها لم تسلم من التعثر في زمن تصاب فيه البصيرة بغشاوة والبصر بغشاء.

لا يمكن لنا في تونس أن ننكر تراجع جريمة "الشرف" كما تعرف في باقي أرجاء "الوطن العربي الكبير"، ذلك أن القانون الجزائي يعاقب على القتل. ثم أنه ومنذ1995زال اعتبار ذلك ظرف تخفيف لينزع عن هذا الفعل "شرف" الجريمة، فنادرا ما تنتهي للمحاكم مثل هذه الجرائم. لكن في المقابل هناك "صناعة طبية" تزدهر كما لم يحدث من قبل، خصوصا وأن الصناعة الصينية المعروفة عالميا بقدرتها على الصمود أمام كل أشكال المنافسة، قد وفرت في السوق لمريديها ومرتاديها بضاعة بخسة الثمن وعظيمة الفائدة تمكن من رتق "شرف" العائلات التائقة إلى الزّيف والرجال الباحثين عن الخدعة والنساء المعزولات أمام رحى نفاق مجتمعات تأبى الوضوح والضوء وتنتعش في الظلمات والضبابية. فالصينيون مناصري القضايا العادلة ووعيا منهم بأهمية "السوق العربية" وفروا غشاوة لبصيرة شعبها أو شعوبها وأهدوهم غشاء بكارة صالح للرتق إن أحوجت الضرورة. ومهارات الأطباء تدعمت في رتق ما افتض من اللاعقل "العربي".

وردت بالشريط شهادات من فتيات فقدن أو سلمن بوابة العبور لحظة عشق واستسلام لنبض القلب ورعشة الجسد في غفلة عن سطوة الجلاد وتغلب اللاوعي الفردي على اللاوعي الجماعي، فكان أن اختطفت لحظة التقاء بالذات في غيبتها عن حضور الآخر المانع القامع المواري لها كحبات الرمل. فتيات عبرن في أصوات متقطعة ونبرات حزينة عن الندم والاستعداد للعودة لساعة الصفر لو أمكن للزمن... أن يترفق في سيره بهن قليلا... الغائب الكبير كان، هنّ... ذلك أن الحديث دار في غياب كلي للأنا... أنا المرأة أو الفتاة في أن يكون من حقها أن تنصت لجسدها شأنها شأن الرجل وأن تنشد اللذة في لحظة توافق مع رغبتها شأنها شأن الرجل وأن تحمل جسدها حقا لا عبئا مثلها مثل الرجل. وأن تتخطى كرامتها غشاء البكارة شأنها شأن الرجل. وأن تكون كائنا مساويا له لحظة انطلاق وانعتاق حركة وفكرة مثلها مثله تماما لا فرق على الإطلاق.

فتيات قررن كسر جدار الصمت والعزلة، عن وعي أو دونه، أردن للمجتمع الذكوري أن يرى انعكاس ظله في مرآة النفاق الاجتماعي الذي يفضل الرتق على أن يثقب ما تكلس بذهنه من أفكار مهينة تختزل نخوته ووجوده في عضو تناسلي ليس له من وظيفة سوى إخراج ما زاد من إفرازات الجسد. فتيات اخترن رتق ما تصدع بمجتمعات تأبى عليهن إنسانيتهن وتفضل تهميشهن على الاعتراف بهن كائنات مساويات لرجاله فكان أن اخترن الرتق على الانزواء
والعزلة في انتظار أن يرتقي الوعي الجمعي إلى ما فوق الركب وأسفل البطن.

لطالما أزعجتني فكرة الربط الآلي تقريبا بين الشرف والعائلة والقبيلة والوطن والأمة والحياة الجنسية للنساء أن كانت لهن حياة؟ وربما أقولها تجاوزا للغة والواقع اللذين يرسمان لهن حدودا خارج جغرافيا أجسادهن وحدود وجدانهن تستباح فيها كل القيم والدماء ماعدا دماء بكارتهن والتي هي من بكارة الوطن والأمة ومن لف لفهما رمزا وترميزا وإيحاء.

لعله من نافلة القول التذكير بجرائم الشرف التي ترتكب في أجزاء ما يسمى جزافا الوطن العربي والذي ما يفرقه ويقسمه يفوق ما يجتمع عليه. ذلك أنه وبهذه الربوع يلتقي الجميع على شرف جريمة وأد النساء فيه بشكل أو بآخر بما أنه يستثنيهن من كل مشروع ديمقراطية تقوم على التساوي في الحق والواجب والحلم والطموح وحتى في القمع الميزة المجمعة للجميع رغم امتداد الحدود.

حاولت أن أجد تأسيسا لغويا على الأقل لهذا الربط بين فروج النساء وشرف الرجال والوطن والأمة، غير أن ابن منظور أبى المشاركة في الجريمة، ذلك أن لسان العرب عنده عرف الشرف على أنه العلو دينيا و دنيويا أي أن الشرف والمجد لا يكونان إلا بالإباء. وهكذا يتضح ألا وجود لأي محدد نسائي للشرف لغة. لكن الانزلاق حصل اصطلاحا و ليس لغة ذلك أن الأديان الثلاثة تعاقب على الزنا، سواء كان بمحصنة أم لا. ويختلف العقاب غير أن الإدانة قائمة في الأديان السماوية الثلاثة، اليهودية والمسيحية والإسلامية. ربما يكمن التفسير في أن الديانات الثلاثة نشأت جغرافيا في نفس المنطقة وازدهرت لاحقا بالمعمورة. فكان أن حملت معها قيمها "التطهيرية" في علاقة بالجسد واللذة وقصرتها فقط على وظيفة تأمين التناسخ للعنصر البشري لا غير.

بالمناسبة وأنا أتابع الشهادات وإدراكي لازدهار حركة رتق البكارة المفتضة في ربوعنا، تذكرت حادثة ارتبطت ببورقيبة عندما بلغ إلى سمعه رغبة أحدهم في تطليق زوجته مفتضة البكارة، فكان أن صدر حكم عن المحكمة الابتدائية بتونس في30ديسمبر1968تحت عدد 7487قاضيا برفض طلب الزوج فسخ عقد الزواج بما انه سبق وأن ضمن شرط البكارة بعقد النكاح وأن عدم احترامه يؤدي إلى فسخ هذا العقد. وكان أن اعتبرت المحكمة انه لا يمكن الاستجابة لطلب هذا الرجل بناء على انه يجب التفرقة بين البكر والعذراء. ومجلة الأحوال الشخصية لم تقم بذلك وعليه يجب الرجوع إلى الفقه الإسلامي الذي يعتبر المرأة بكرا إذا ما لم يسبق لها الزواج وذلك بقطع النظر عن كونها عذراء أم لا.

لا أدري إن كان بالقاموس اللغوي الفرنسي مثل هاته المراوغة اللغوية أم لا.

تذكرت أيضا خطابا للرئيس بورقيبة في هذا الصدد، للحظة حاولت أن أتخيل ردة فعله على مثل هذا الخبر... يا الله لك في خلقك شؤون.

سعيدة بن القراش

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose