attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > على الدرب > في ذكرى 7 نوفمبر : ألم يحن وقت الإصلاح السياسي؟

في ذكرى 7 نوفمبر : ألم يحن وقت الإصلاح السياسي؟

الاثنين 8 تشرين الثاني (نوفمبر) 2010


يصادف صدور هذا العدد من "الطريق الجديد" الذكرى 23 للتغيير الحاصل على رأس الدولة ولأول مرة منذ استقلال البلاد في 7 نوفمبر 1987.

إذ تعود التونسيون طوال العقدين الماضيين على معايشة مثل هذه المظاهر الاحتفالية وقد أصبحت بمثابة الطقوس المعتادة، فإنه من غير الممكن تجاهل الظروف الخاصة التي تحف باحياء الذكرى لهذه السنة.

والجميع يذكر الحملة المفاجئة التي انطلقت مع بداية الصيف الماضي لمناشدة الرئيس بن علي قبول الترشح لدورة رئاسية اضافية لا يقرها دستور البلاد الذي خضع لأكثر من تعديل خلال العهد الحالي بهدف تشريع التمديد للرئيس الذي سيكون حكم البلاد مع نهاية فترة ولايته الحالية لمدة 27 سنة، أي بزيادة وافرة عما كان سمح به التعديل الأول المنسجم مع نص وروح بيان السابع من نوفمبر 1987 المؤسس لشرعية العهد القائم.

وعند الرجوع الى البيان المؤسس، فإن الفكرة الرئيسية التي تختصر مضمونه تنطلق من معاينة واقع تفكك النظام القديم بفعل الفراغ الحاصل على رأس السلطة نتيجة عجز الرئيس السابق واستفحال الصراع على الخلافة بين مختلف أطراف الفريق السياسي الحاكم، وما يستتبع ذلك من تداعيات خطيرة على أمن البلاد واستقرارها وسيادتها.

ورغم اشتداد الضائقة المالية وهشاشة الوضع الاقتصادي الذي سجل انحدارا قياسيا في أواسط الثمانينات اضطرت معه البلاد الى قبول برنامج التعديل الهيكلي "PAS" تحت ضغط المؤسسات المالية الدولية وتبعاته السلبية على الوضع الاجتماعي، فإن البيان اعتبر عن حق، بأن الحل يكون سياسيا بالدرجة الأولى وذلك من خلال احترام قيم النظام الجمهوري والقطع مع الرئاسة مدى الحياة، أو الخلافة الآلية ˜التي لا دخل للشعب فيهاŒ والاستجابة الى التطلعات للمشاركة الفعلية في تسيير شؤون البلاد في إطار تعددية حقيقية، نابعة عن شعب بلغ درجة كافية من النضج.

كما شدد البيان على ضرورة اجراء اصلاحات سياسية عبر مراجعة القوانين المنظمة لنشاط الأحزاب والجمعيات ولمجلة الصحافة وغيرها.

فأين بلادنا اليوم من كل هذا؟

لقد مكنت الخطوات الايجابية التي أتخذت في السنوات الأولى من تحقيق انفراج ملموس في المناخ السياسي كانت من أبرز ملامحه افراغ السجون من المساجين السياسيين ورفع التضييقات عن نشاط الرابطة والاعتراف بعدد من الأحزاب وتمكينها من اصدار صحفها، كما تهيأت الظروف لانعقاد مؤتمر الاتحاد العام لطلبة تونس بعد غياب عن العلنية استمر لمدة تناهز العقدين من الزمن، وتمت تسوية ملف الاتحاد العام التونسي للشغل.. الخ.

وشجع تحسن الوضع السياسي على دفع الاستثمار الداخلي والخارجي بما أعطى نسقا جديدا للنهوض بالنشاط الاقتصادي وتحقيق بعض المكاسب الاجتماعية.

إلا أن التطورات اللاحقة سجلت انتكاسة قوية لهذا التوجه. فتعدد الأحزاب بقي شكليا ولم يفلح في تحقيق التعددية، وما أدخل من تعديلات جزئية على مجلة الصحافة لم يتمكن من تحرير المشهد الاعلامي من الرقابة الرسمية الخانقة، وبقيت المجلة الانتخابية، وهي الإطارالمنظم للعملية الانتخابية التي يتم عبرها اختيار ممثلي الشعب في المجالين التشريعي والتنفيذي، دون تغيير يسمح بحرية الاختبار والشفافية وممارسة التعددية الفعلية، مما أصاب المشهد السياسي بالشلل والتحنط، كما أصبحت المقاربة الأمنية هي الأساس لحل الخلافات مع "أو داخل" المنظمات المستقلة للمجتمع المدني، وتزايد التضييق على نشاط الأحزاب وخاصة منها تلك التي تجتهد في أن تلعب دورها الوطني المعارض بكل وضوح وجدية وفي كنف استقلالية قرار هياكلها.

ومن الطبيعي أن تخلق مثل هذه الظروف بيئة مناسبة لتشكيل مراكز قوى قريبة من مواقع القرار تستغل نفوذها من أجل تحقيق مصالحها الأنانية الضيقة، فبرزت مجموعات قوية من الأثرياء الجدد الذين كدسوا أموالا طائلة في زمن قصير وهمهم الوحيد اليوم هو المحافظة على الأوضاع القائمة لتأمين وإدامة وتدعيم تلك الثروات التي اكتسبوها دون وجه حق.
وقد كان لافتا للانتباه أن تحاول مراكز النفوذ هذه استعمال كافة الوسائل بما في ذلك مواقعها داخل الحزب الحاكم والأجهزة الاعلامية والمالية من أجل التسابق نحو دفع حملة المناشدة ومحاولة ابراز اجماع وطني زائف حولها.
إن بلادنا تقف اليوم في مفترق طرق، ويتوقف على حسن اختيار الوجهة القادمة حاضرها ومستقبلها.

فالإبقاء على الأوضاع كما هي عليه سيؤدي الى تراجع وتقهقر في جميع المجالات وتهديد جديد للمكاسب الوطنية التي تحققت بتضحيات الأجيال المتعاقبة، وفتح الأبواب على مصراعيها أمام المجهول. إن التمادي في الانغلاق وتهميش المجتمع وقواه الحية خلافا للوعود واستمرار ارجاء الاصلاحات السياسية الضرورية والاصرار على التمديد في نمط الحكم الى ما لا نهاية له مليء بالمخاطر على حاضر البلاد ومستقبلها. وقد بدأنا بالفعل نشهد تدهورا يبعث على الانشغال في ميادين حيوية بالنسبة لتطور بلادنا ومستقبلها، كما هو الحال في تزايد عبء البطالة واستفحال أزمة النظام التعليمي، والتردي المستمر للخدمات الصحية في القطاع العمومي والتآكل المتواصل للقدرة الشرائية للفئات الشعبية، بل وحتى لأجزاء هامة من الفئات الوسطى، وجميعها قضايا وملفات هامة لا تستقيم معالجتها معالجة صحيحة دون القطع مع أساليب الماضي و فتح حوار وطني حقيقي يمكن من تحديد الخطوات والآليات المناسبة لتشريك التونسيين على اختلاف قناعاتهم ومشاربهم في تسطير مستقبل البلاد وفي رسم ونحت المشروع المجتمعي الديمقراطي والتعددي الذي يتوقون اليه، ذلك هو جوهر الاصلاح السياسي العميق الذي ندعو اليه.

الطريق الجديد

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose