attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > الطريق الثقافي > محمد أركــون: طَـوْدٌ شامــخ ينهــار

الأستاذ عبد المجيد الشرفي:

محمد أركــون: طَـوْدٌ شامــخ ينهــار

الاثنين 27 أيلول (سبتمبر) 2010

فقد التيار التنويري بوفاة محمد أركون واحدا من أكثر المفكرين المعاصرين كفاءة وإشعاعا على الصعيد الإسلامي والصعيد العالمي. وقد جاءت وفاته بعد فترة وجيزة من رحيل المغربي محمد عابد الجابري والمصري نصر حامد أبو زيد والكويتي أحمد البغدادي، وكل واحد منهم ترك بصمات لا تمحى في المجهود المضني الساعي إلى تدارك ما يعاني منه العرب والمسلمون في مجال التفكير الديني المنغلق. ضمن هؤلاء كان محمد أركون يتمتع بالتكوين الأمتن والثقافة الأوسع. ولئن كان يحمل الجنسية الفرنسيةالتي اضطر إلى الحصول إليها في ظروف عصيبة مرت بها حركة التحرر الجزائرية، فإنه كان يعتبر نفسه دوما مغاربيا معنيا بما يحدث في وطنه الأم وفي تونس والمغرب على السواء. ورغم أن الرجل كان لسنوات عديدة أستاذا في السربون ومديرا إلى آخر حياته لمجلة "أرابيكا" التي تصدرها هذه الجامعة، فإن وكالة الأنباء الفرنسية حين نشرت خبر نعيه وصفته بالمفكر الجزائري! ولعمري إن في ذلك لأكثر من دلالة
.
لم يكن أركون يدرس تاريخ الفكر الإسلامي بعين المستشرق الباردة أو المتعاطفة أو المعادية، بل كانت مشاكل هذا الفكر مشاكله الذاتية، وكان مهموما إلى أبعد حد بالمآزق التي ما زال يتخبط فيها. إلا أن ما يميّز مقارباته هو بعدها عن الانطباعية المتسرعة وتشبثها بمقتضيات المعرفة الحديثة في مختلف تجلياتها وتنوع مناهجها. ولا شك أنه استفاد أيما استفادة من الوسط الثقافي الثري والحر الذي عاش فيه وتفاعل معه في الغرب، ولكنه استفاد كذلك من ذكائه الفطري وثقافته الفلسفية المتينة في الجزائر أولا ثم في سترازبورغ وباريس، ونهمه في الاطلاع على آخر ما يُكتب وأفضل ما يُنشر.

لكل هذا كانت دعوته الراسخة إلى توظيف علوم الإنسان والمجتمع في دراسة الظاهرة القرآنية والظاهرة الإسلامية، على غرار الظاهرة الكتابية والظاهرة اليهودية والظاهرة المسيحية، نابعة من اقتناعه بأنه لا يمكن فهم هذه الظواهر الدينية التوحيدية فهما أفضل وغير ملتبس بالإيديولوجيا النضالية المضللة إلا بالاستعانة بالتاريخ واللسانيات والأنثروبولوجيا وغيرها من العلوم التي لم تتوطن بعد في البيئات الإسلامية. ولهذا كذلك كان حريصا على تجنب الشعارات الجوفاء، بل على تفكيك ما تبطنه الكثير من الاستعمالات الرائجة، مثل "إسلام" و"إسلامي" ، من رهانات لا صلة لها إلا في الظاهر بوظائف الدين الأساسية، ولا سيما منها توفير معنى الحياة والوجود والمآل.

سيترك محمد أركون فراغا كبيرا ليس من اليسير ملؤه. لقد كان، بالإضافة إلى كونه أستاذا وباحثا جامعيا متميزا، محاضرا قادرا على تبليغ آرائه والدفاع عنها باقتدار وحماس. ومن الطبيعي أن لم تكن مواقفه، وهو يحرّك السواكن ويعيد النظر في المسلّمات، تروق لزعماء التيار الدغمائي وأتباعهم على اختلاف توجهاتهم، فرمي بأقذر النعوت وهوجم مهاجمات شرسة كان يأسف لضيق أفق أصحابها أكثر مما كان يتألم منها. وعزاؤنا، وقد فقدنا بوفاته صديقا عزيزا وحميما، أن آثاره العديدة ستبقى شاهدة على مقتضيات الفكر الحر والبحث المستنير، بصرف النظر عما يمكن أن يوجه إلى أفكاره من نقد وما تثيره من مسائل في حاجة إلى النقاش والمراجعة.

عبد المجيد الشرفي

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose